نحن الآن في سنة 333 قبل الميلاد، وتحديدًا في أوج حملة الإسكندر الأكبر ضد الإمبراطورية الفارسية. ولكن في خضم انتصاراته المتتالية، أُصيب الإسكندر بحمى شديدة بعد الاستحمام في مياه نهر سيدنوس الباردة، حتى أصبحت حياته مهددة بالموت. وقد جسّد الفنان البولندي هنريك سيميرادسكي عام 1870 في لوحته "Alexander the Great's trust in Doctor Philip" (ثقة الإسكندر الأكبر بالطبيب فيليب) اللحظة التي سلّم فيها الإسكندر الأكبر طبيبه فيليب رسالةً وصلته من قائده بارمنيون، تُحذّره من أن الطبيب خائن، وأن الكأس الذي بين يدي الإسكندر ليس دواءً، بل سمًا.
عند رؤيتنا اللوحة للمرة الأولى، سنلاحظ مجموعةً من الجنود يتهامسون بقلق، بينما ينظر الطبيب فيليب إلى الرسالة التي سلّمها له الإسكندر الأكبر. كما يلفت انتباهنا الرجل الملتصق بالإسكندر، والفتى الذي يقف خلفه حاملًا ريش الطاووس. لكن يبقى السؤال الأبرز: هل شرب الإسكندر الكأس رغم التحذير؟
تحليل الشخصيات :
الجندي :
نرى في هذه اللوحة على الجانب الأيسر منها جنديًا يرتدي زيه العسكري الكامل، ربما كان هو الحارس الخاص بالإسكندر، يتهامس مع أحد الخدم وذراعاه خلف ظهره، وقد توحي هذه الوضعية بالانضباط العسكري. ولكن رغم استقامته، يميل بجسده إلى الأمام ليهمس للخادم.
الخادم بجانب الجندي :
نرى الخادم يقرب أذنه من الجندي ويضع يده اليمنى بجانب أذنه مما يوحي بأنه يصغي إلى الجندي بكل تركيز. نراه ممسكًا بثوبه الطويل ويرفعه، ورغم تركيزه مع الجندي لم يبعد بصره عن الإسكندر، بل إنه ظل مركزًا عليه وكأنه يقول: "ما الذي سوف يحدث تاليًا؟".
الطبيب فيليب :
رغم أن الأحداث تدور حوله، نراه أهدأ شخصية في الغرفة. ولكن إذا دققنا النظر في يده اليمنى، سنلاحظ بروز عروقها، وكأنه يقبض على الرسالة بقوة شديدة. أما يده اليسرى، فتستقر بقوة على الطاولة، في حركة توحي بالصدمة والانفعال وكأن الرسام صوره في لحظة ضربه للطاولة. ومن المرجح أن الرسام أراد من خلالها التعبير عن وقع الاتهام على الطبيب فيليب، وكأنه يرى أن الرسالة هي طعن شديد في إخلاصه وولائه.
الإسكندر الأكبر :
نرى الإسكندر الأكبر وهو ممسك بالكأس الذي قيل له إن ما في داخله سم، لكن تصرف الإسكندر كان مفاجئًا للجميع ، فبحسب الرواية التاريخية، إن الإسكندر الأكبر سلم الرسالة للطبيب في لحظة شربه للكأس، في مشهد أصبح رمزًا للثقة المطلقة بين القائد وطبيبه ، وهذا ما يفسر سبب تصرفات شخصيات اللوحة من حول الإسكندر.
تهامس الجندي والخادم بسبب حديثهما عن الرسالة وكأنهما يقولان: "هل تظن أنه خائن؟" بل ونظرة الخادم تبدو الآن وكأنه يتساءل في نفسه: "هل سينجو القائد؟"
الخادم العجوز :
انظروا إلى هذا الخادم العجوز، إنه يركز على وجه سيده ممسكًا بوسادة الإسكندر الأكبر، في مشهد يوحي بالتوتر. إمساكه للوسادة ونظرته المركزة، هذا المشهد يوحي بأنه قلق على الإسكندر الأكبر.
الطفل المساعد :
إنه هادئ، بل قد لا نلاحظه من أول مرة. إنه يجلس في الزاوية ويراقب سيده بصمت، ورغم صغر دوره، فإن وجوده يعزز مكانة الإسكندر الملكية، إذ كانت مروحة ريش الطاووس من مظاهر خدمة الملوك.
تحليل الملابس :
اختار الرسام أن يجعل ملابس الطبيب فيليب أكثر هدوءًا من بقية عناصر اللوحة
ملابس الطبيب فيليب :
نرى الطبيب فيليب يرتدي ملابس بيضاء، وهذا دليل على النقاء والطهارة في الفن. كما أن اللون الطاغي في ملابسه هو الأزرق، وهو رمز للحكمة والهدوء. ولكن هنا تكمن المفارقة، فللمرة الأولى التي ترى فيها الطبيب فيليب ستراه هادئًا مثل ملابسه الزرقاء، ولكن لو ركزت في يديه سترى أنه يكتم انفعاله على الرسالة. كما نرى تطريزات ذهبية موجودة على ردائه، وهذه دلالة على مكانته في البلاط الملكي.
غطاء الإسكندر :
نرى الإسكندر الأكبر في هذه اللوحة بغطاء أخضر فقط، وهذا ما يبرز هشاشة الإنسان، وكأن رسام اللوحة هنريك سيميرادسكي حاول إيصال رسالة وهي: "مهما بلغت عظمة الإنسان وقوته، فهو لا يزال إنسانًا ضعيفًا". كما أن اللون الأخضر للغطاء يرمز لمكانته الملكية وملكه، ويرمز أيضًا للحياة والتجدد. وقد تكون هذه دلالة مقصودة من الفنان، لأنه بعد شربه للكأس شُفي من المرض وأكمل حملته العسكرية. كما يرمز جلد النمر الموجود أسفل الغطاء لقوة الإسكندر ومكانته العسكرية.
رمزيات اللوحة :
في لوحة " ثقة الإسكندر الأكبر بالطبيب فيليب " هناك العديد من الرمزيات التي تبرز نفوذ الإسكندر الأكبر
الخوذة والدروع:
نرى خوذة الإسكندر الأكبر ودروعه موضوعة بالقرب من سريره، وكأن الرسام تعمّد ألا يُبعد أدوات الحرب عنه. فرغم أن المرض أقعده مؤقتًا، فإن عتاده لا يزال إلى جانبه، في إشارة إلى أن هذه ليست نهاية القائد، بل استراحة قصيرة قبل أن يعود إلى ساحات القتال ويواصل حملاته العسكرية .
مروحة الطاووس:
اختيار الرسام جعل الطفل يحمل مروحة مصنوعة من ريش الطاووس ليس اختيارًا عشوائيًا، بل هو اختيار ليعزز مكانته الملكية ونفوذه.
وقد يكون الرسام اختار ذلك أيضًا ليخلق توازنًا بصريًا بين الجهة اليمنى واليسرى من اللوحة، فنرى الجهة اليسرى يطغى عليها النفوذ العسكري، والجهة اليمنى إبراز النفوذ الملكي، والفاصل بين جانب النفوذ العسكرية وجانب النفوذ الملكية هو الطبيب فيليب الذي يقف في الوسط بينهما.
التمثال :
كما نرى، تمثال على الأغلب هو تمثال للإلهة أثينا، وهي إلهة الحكمة والحرب الإستراتيجية في الأساطير اليونانية، ووجودها في هذه اللوحة ليس عشوائيًا، وقد يوحي وجودها بأن الرسام أراد ربط المشهد بالحكمة، في إشارة إلى قرار الإسكندر بالثقة في طبيبه رغم التحذير.
رغم عظمة الإسكندر الأكبر، وأنه فتح معظم العالم المعروف في عصره، فإن الفنان هنريك سيميرادسكي اختار أن يصوره في أضعف لحظاته. فالقائد الذي هزم الجيوش ووسّع إمبراطوريته، لم يستطع أن يهزم المرض بقوة سيفه. وكأن الرسام أراد أن يذكّرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من القوة، يبقى ضعيفًا أمام المرض، وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، بل لا بد من الطب والعلم لإنقاذ الحياة.



















أحبّ الفنّ القديم ؛ أشعر بأنّه مليئ بالمشاعر والتفاصيل. وأكثر اللوحات التي تستهويني هي تلك التي تنتمي إلى فترات تاريخية كانت حافلة بالحروب، لكنّ الفنان لا يكتفي بتصوير الحرب نفسها، بل يرسم ما وراءها؛ الأشياء والمشاعر التي لا يراها العالم.
شلون مات هو بالنهاية؟