الغضب هو انفعال، وقيل إنه يحصل عندما يحدث غليان في الدم. ما هو الغضب من منظور ديني وفلسفي؟ ولماذا وصف بوذا الغضب قائلًا: «التشبث بالغضب يشبه الإمساك بجمر مشتعل بقصد رميه على شخص آخر؛ فأنت أول من يحترق»؟
هناك مراحل يمر بها الإنسان قبل وصول مرحلة الانفجار، وأول هذه المراحل هي:
1.المحفز:
في هذه المرحلة يحدث الحدث الذي يسبب إزعاجًا لك، كظلم أو إهانة أو استفزاز.
وكما قال بنيامين فرانكلين: «الغضب لا يخلو من سبب، لكنه نادرًا ما يكون سببًا جيدًا.»
هذه المرحلة تمهد للمرحلة الثانية وهي:
2.التفسير:
في هذه المرحلة، يفسر الدماغ التصرف الذي حدث، فمثلاً عندما يمزح معك شخص ما وأنت تفسر تصرف هذا الشخص على أنه إهانة.
وهنا أريد أن أستدل بقول أحد الفلاسفة وهو إبكتيتوس: «ليست الأشياء هي التي تزعج الناس، بل أحكامهم على الأشياء.»
المرحلة الثالثة من مراحل الغضب وهي:
3. التصاعد:
يبدأ الجسم بزيادة نبضات القلب، وشد العضلات، وارتفاع الصوت.
في هذه المرحلة يكون من الصعب ضبط النفس لأن جسدك بدأ بالتعامل مع الموقف بالفعل.
4.الانفجار:
هنا يصل الغضب إلى ذروته، قد يصل الأمر إلى الشتم والضرب والصراخ.
هنا تقل قدرة الشخص على التفكير المنطقي وهذا ما يقوده إلى القيام بتصرفات قد يندم عليها لاحقًا.
وعلى ذكر الانفجار، ما يحدث بعد الانفجار هو مرحلة أخرى بعد الغضب تسمى:
الانخفاض:
يبدأ الجسد بالهدوء، ويعود التفكير المنطقي تدريجيًا.
ما بعد الغضب هذا يعود للشخص، لأن الإنسان يبدأ بالتفكير فيما حدث، قد يندم، قد يشعر بالارتياح، قد يكتم الغضب ويتراكم ليصبح كرهًا.
الغضب من منظور أدبي:
في الكوميديا الالهيه وضع دانتي الغاضبين في الطبقة الخامسة من الجحيم، وقسّمهم إلى فئتين: الغاضبين، والكاظمين لغضبهم.
الغاضبون:
هم الذين يتقاتلون فوق سطح مستنقع نهر ستيكس، يعضّ بعضهم بعضًا ويمزقون أجسادهم إلى الأبد. لم يختر دانتي هذا المشهد عبثًا فالغضب الذي سيطر على حياتهم في الدنيا أصبح هو حياتهم في الآخرة. لا راحة، ولا صلح، ولا نهاية لذلك القتال، لأن الإنسان الذي يجعل الغضب أسلوب عيشه يبقى أسيرًا له حتى بعد موته في رمزية دانتي.
الكاظمون لغضبهم:
أما الذين كتموا غضبهم لا صبرًا ولا عفوًا، بل حقدًا دفينًا، فقد جعلهم دانتي غارقين تحت سطح المستنقع. لا يستطيعون الكلام إلا بفقاعات تخرج من الماء، وكأن المشاعر التي دفنوها في صدورهم دفنتهم معها. فالغضب المكبوت عند دانتي لا يقل خطرًا عن الغضب المنفجر؛ الأول يحرق صاحبه من الداخل، والثاني يحرق من حوله.
الغضب من منظور إسلامي:
أن رجلًا قال: يا رسول الله قل لي قولًا وأقلل لعلي أعيه. قال: لا تغضب. فأعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب.
خلاصة حكم المحدث: صحيح.
والتخلي عن الغضب والحقد ليس صفة جديدة، فهذه الصفة لم تضف للعرب. عنترة بن شداد، الشاعر الجاهلي، قد قال: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ولا ينال العلا من طبعه الغضب.
خلاصة القول: الغضب شعور موجود لدينا جميعًا، فجميعنا نغضب، ولكن لا يجب أن نجعل حياتنا متمحورة حوله؛ لأن الغضب شعور يسرق البصر ويجعلك لا ترى الحقيقة كاملة الغضب لا يعمي البصر، بل يعمي الحكم.
أختم مقالي بقول أشرف البشر محمد صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب."
خلاصة حكم المحدث: صحيح.


