نشهد اليوم أحد أشهر الأحداث في التاريخ الإنجليزي، وهو إعدام السيدة جين غراي، التي اشتهرت بلقب "ملكة الأيام التسعة" لأنها لم تتولَّ عرش إنجلترا سوى تسعة أيام، قبل أن تُعزل ويُحكم عليها بالإعدام. وقد خلّد الفنان الفرنسي بول ديلاروش هذه اللحظة المأساوية في لوحته الشهيرة "إعدام الليدي جين غراي"، التي رسمها عام 1833 عُرضت لأول مرة في 1834 .
عندما نشاهد هذه اللوحة للمرة الأولى، سنرى سيدات منهارات، كل واحدة منهن تفاعلت مع هذا الحدث بطريقة مختلفة. كما ستقع أعيننا على الرجل الممسك بيدي السيدة جين غراي، ثم على سروال الجلاد الأحمر الذي يفرض حضوره في المشهد. لكن يبقى السؤال: ما الذي أوصل كل من في هذه الغرفة إلى هذه الحالة؟
تحليل المشهد والشخصيات :
المرأة في أقصى اليسار :
من بين كل الشخصيات في هذه اللوحة، هي أكثر شخصية انكسارًا. انظر إلى وجهها، عيناها شبه مغمضتين وكأنها على بعد شعرة من الإغماء.
انظروا إلى حضنها، يوجد فستان أنيق وإكسسوارات. مالكة هذا الفستان والحلي هي السيدة جين غراي. لقد أعطت فستانها وما تحمله من حلي إلى هذه السيدة، وهي تحتضن أشياءها وكأنها تحتضن آخر ما تبقى من السيدة جين غراي.
المرأة التي تحتضن العمود :
نرى أيضًا شكلًا آخر من الانهيار في هذه اللوحة من خلال هذه السيدة. انظروا إليها، فهي ليست مثل السيدة الأولى، إنها تمتلك القوة، فهي لم تنهار بالكامل. لقد قررت أن تلف وجهها لكي لا تشاهد هذا المنظر الشنيع. ملابسها الواسعة تغطي وجهها بالكامل، فالفنان لم يحتج ليرينا وجهها لنفهم شدة انهيارها من الحدث.
السيدة جين غراي :
جميع العناصر في اللوحة تقودنا إلى رؤية السيدة جين غراي. لاحظوا يدها اليسرى، فهي لا تحاول المقاومة، إنها تبحث عن الكتلة الخشبية لكي تضع رأسها عليها. على الرغم من أن إعدامها قريب، إلا أنها أهدأ من السيدتين اللتين في اللوحة. يدها اليمنى ممتدة في الهواء وهي تحاول أن توازن جسدها بها لكي لا تقع.
القش الموجود أسفل منصة الإعدام موجود ليمتص الدم الذي سوف يخرج من جسد السيدة جين غراي.
الرجل الذي يحتضن السيدة جين غراي :
انظروا إلى جسد هذا الرجل، إنه لا يتعامل مع السيدة جين غراي بقسوة. هو ممسك بها بحنية، كما يبدو على جسده شيء من الانكسار. يده الحنونة ممسكة بيد السيدة جين غراي وتحاول إرشادها إلى منصة الإعدام. لكن هنا المفارقة التي حاول الفنان بول ديلاروش إيصالها من خلال تصرفات هذا الرجل وكأنه يقول: "انظروا، إن أحن شخص في هذه الغرفة هو من يقود السيدة جين غراي إلى موتها".
الجلاد :
الجلاد هو أكثر شخصية استقامة، على الرغم من أنه مستقيم، إلا أننا لا نرى في ملامح وجهه التعطش للدماء، بل إننا نرى أنه متعاطف مع السيدة جين غراي. انظروا إلى يده اليسرى، إنها مرتخية ولا تمسك الفأس بإحكام. الجلاد هو الشخص الذي يوضح لنا اللحظة التي اختار فيها بول ديلاروش إيقاف الزمن، فهو لم يوقف الزمن عند بدء الإعدام أو بعد الإعدام، بل بلحظات قليلة قبل بدايته، ودليل ذلك أن الجلاد لم يحكم قبضته على الفأس.
تحليل ملابس الشخصيات :
في لوحة "إعدام السيدة جين غراي" هناك شخصيات ملابسها صارخة وشخصية ملابسها تهمس في أجزاء اللوحة.
ملابس الرجل الذي يحتضن السيدة جين غراي :
قد لا نركز على ملابسه كثيرًا لأنها هادئة جدًا. ملابسه السوداء تجعل جسده شبه مخفي وكأنه جزء من مكان الإعدام، وكأنه رمز للموت متجسدًا على شكل إنسان. ولكن الأطراف البرتقالية في ملابسه هي ما تفصله عن هذا المكان. على الرغم من أن الأسود في ملابسه يرمز للموت، إلا أن البرتقالي يجعل جزءًا منه إنسانيًا. ولذلك نرى على ملامح وجهه الحزن وهو يقوم بقيادة السيدة جين غراي إلى موتها.
ملابس السيدة جين غراي:
ملابس السيدة جين غراي ناصعة البياض، وكما أن الإضاءة في اللوحة تزيد النور عليها، وهذا ما يجعل ملابسها صارخة في اللوحة. فاللون الأبيض في هذه اللوحة يرمز للنقاء والطهارة، وقد يكون اختيار الأبيض أيضًا لأنه يجعل الدم يبدو أكثر وضوحًا عند سقوطه، فيزيد من قوة المشهد الدرامية.
ملابس الجلاد :
صاحب أكثر الملابس صراخًا في هذا المشهد هو الجلاد. انظروا وتفحصوا في سرواله الأحمر، إنه يصرخ لكي نركز عليه. رغم أن الجلاد ليس الشخصية الرئيسية في اللوحة، إلا أن حضوره صارخ جدًا. يرمز سرواله الأحمر إلى الدم، ولذلك قلت منذ قليل إن ملابس السيدة جين غراي ترتبط بالدم أيضًا، وكأن الفنان يخلق ترابطًا بين ملابس الجلاد وملابس ليدي جين غراي، وكأنه يقول: "بعد قليل لن يكون هناك أي فرق بين سروال الجلاد الصارخ وفستان السيدة جين غراي الملطخ بالدم".
رموز إضافية في شخصية الجلاد :
هناك رموز أخرى للجلاد لم أستطع التطرق إليها فوق، وأهمها حزام الجلاد. لاحظوا أن حزام الجلاد يوجد فيه خنجر على الرغم من أن الفأس موجود،
كما توجد حبال وأدوات أخرى خاصة بعمله كجلاد. فالحبال تستخدم لتقييد المحكوم عليه بالإعدام. الحزام هنا يرمز إلى أن الإعدام أصبح جزءًا من هويته، على الرغم من أنه لم يستخدم الخيوط أو الخنجر لتقييد ليدي جين غراي، إلا أنه أحضرها وكأنها شيء روتيني،
وهذا ما يفسر لماذا هو أهدأ شخص موجود في المشهد. وقد تبدو أطراف الحبل وكأنها ترسم شكل المشنقة، وهي قراءة بصرية محتملة يمكن تفسيرها على أنها ترمز للإعدام بالمشنقة لتعزز حضور شخصية الجلاد.
اختار بول ديلاروش أن يجسد لحظة إعدام السيدة جين غراي، فحوّلها من حدث تاريخي عابر إلى مشهد راسخ في الذاكرة الفنية. وباختياره اللحظات التي تسبق تنفيذ الحكم مباشرة، منح اللوحة توترًا إنسانيًا جعلها من أشهر الأعمال التي تناولت هذا الحدث.
















المثير للاهتمام بهذه اللوحة هو التوقيت الذي اختاره ديلاروش ليمثل او ليخلد ذكرى اعدام ليدي جين غراي، وهو مثل ما ذكرت لحظات قليل قبل الاعدام، ليس مشهد الاعدام نفسه ليس بعده بلحظات لكنه اوصل نفس شعور بشاعة هذه الحادثة لكن بهدوء ونقاوة مثل ما كانت الليدي جين غراي ذات ال19 عامًا فتم تخليد ذكراها واقفة منتصبة فتاة صغيرة وبريئة.
شكرًا ع التحليل الجميل، بالمناسبة هل تعرف اين هي اللوحة اليوم؟ في اي متحف؟
اصبح لدي فضول لأعرف قصة الليدي
شكرا على هذا المقال الجميل