تخيل أن تستيقظ من النوم لتجد أن الأصوات كلها قد اختفت. ترى شفاه الناس تتحرك دون أن تسمع ما يقولون. أصبحت في مكان لا تسمع فيه أي صوت سوى صوت أفكارك. ما الذي قد يفعله بك أمر كهذا؟ وإلى أي درجة قد ينعكس فقدان سمعك على أعمالك؟
ألوان البلاط الملكي :
تبدأ قصتنا مع الرسام الإسباني فرانثيسكو غويا الذي ولد في عام 1746 في بلدة فوينديتودوس. لم تبدأ حياة غويا وفي فمه ملعقة من ذهب، بل إنه شق طريقه إلى أن وصل إلى مكانة لم يكن يصل إليها سوى قلة من الفنانين، وهي: البلاط الملكي الإسباني.
مر غويا بالكثير من المحطات التي رفعت من مكانته، ومن محطاته هذه أنه كان يرسم تصاميم للمنسوجات الملكية، ثم أخذ اسمه يكبر شيئًا فشيئًا حتى عُين رسام البلاط في عهد الملك كارلوس الثالث. ومع وصول كارلوس الرابع إلى العرش، ارتفعت مكانة غويا أكثر وأصبح يرسم أفراد العائلة الملكية والنبلاء. كان قريبًا جدًا من عالم القصور، فقد كان يرى وجوه الطبقة الحاكمة ويرسمها بنفسه. وفي عام 1799، وصل إلى واحدة من أعلى المراتب في مسيرته حين أصبح الرسام الأول للملك. في تلك الفترة، كان غويا يعيش نجاحًا وسط النبلاء في قلب المجتمع الإسباني، ويرسم الملوك والنبلاء، وتُفتح له أبواب القصور.
وفجأة ودون سابق إنذار اقترب الظلام الذي أراد التهام نور غويا. فقبل أن يصل إلى تلك المكانة بسنوات، حدث شيء كان له تأثير بالغ في حياته، فقد أُصيب بمرض غامض، وعندما نجا منه اختلف العالم من حوله عما عهده في السابق.
حين اختفت الأصوات :
نحن الآن في عام 1792، نشهد على غويا ذي الستة والأربعين عامًا. أُصيب غويا بمرض جعله طريح الفراش. حتى يومنا هذا، لا نملك معلومات تؤكد ماهية مرض غويا، فالتفسيرات لمرضه كثيرة لا نهاية لها. ولكن الشيء الذي نحن متأكدون منه هو أن غويا نجا من هذا المرض، إلا أنه لم ينجُ منه بلا ثمن.
بعد المرض، فقد غويا سمعه بصورة دائمة. تخيلوا رجلًا قضى سنوات من عمره في البلاط، معتادًا على ضجيج النبلاء ، أصبح العالم من حوله صامتًا والتواصل مع الآخرين صعبًا. لكن غويا لم يتوقف عن الرسم، فبعد فترة عاد إلى عمله، ولكن بدأت تظهر على فنه علامات غريبة. أصبح يظهر في فنه القليل من العنف، كما أبدى اهتمامًا بالسحر والخرافات القديمة، والشيء الصارخ فيها هو إبراز الجانب المظلم من الإنسان.
ولكن إذا كنت تعتقد أن غويا شخصية سطحية لمجرد فقدانه السمع أصبح هكذا، فسأخبرك أن العنف في لوحاته أعجب الحياة، فقررت أن تريه العنف على أصوله. كانت إسبانيا تقترب من سنوات ستجعل غويا يعلم أنه إذا وجد الرمادي، فالأسود أكثر رعبًا منه.
حين خرج العنف من اللوحات :
نقفز بالوقت إلى عام 1808. في هذه الفترة، لم يعد غويا بحاجة للبحث عن الكوابيس والخوف، فكلاهما أصبح موجودًا في شوارع إسبانيا، فقد دخل جيش نابليون إلى بلاده، وسرعان ما تركت هذه الأزمة جرحًا عميقًا في فنه.
في الثاني من مايو، تمرد سكان مدريد على القوات الفرنسية، ولكن سرعان ما قُمع تمردهم. وفي اليوم التالي، أُعدم الكثير من الإسبان على أيدي القوات الفرنسية، وقد وثّق غويا هذه الأحداث لاحقًا في لوحتيه "الثاني من مايو 1808" و"الثالث من مايو 1808".
وما حدث في مدريد كان مجرد غروب للشمس قبل أن تظلم سماء إسبانيا، فلم يحتج غويا إلى تخيل الإعدامات والبؤس والألم، فكلها أصبحت حاضرة في محيطه، فقد تحولت إسبانيا إلى ساحة حرب طويلة بين القوات الفرنسية من جهة، والقوات الإسبانية وحلفائها.
شقّت هذه الأحداث طريقها في فن غويا، ففي سلسلة "كوارث الحرب" لا نرى فيها أبطالًا منتصرين ولا أشرارًا ظالمين، بل نرى جروح الحرب وعمق تأثيرها على الإنسان.
فمثلاً في لوحة "رجل على وشك قطع رأس جندي بفأس"، ستشعر أن الرجل شيطان نازل من السماء ليقطع رأس الجندي. لكن رغم ذلك قد لا يكون الرجل شريرًا، فقد يستخدم الفأس للدفاع عن نفسه. لذلك من أكبر الأخطاء أن تفسر رسومات غويا بمجرد النظر، وحتى مع سماع القصة ستظل رسوماته مشوشة بالنسبة للأغلب.
نجا غويا من الحرب، ولكن إسبانيا التي نجت لم تكن يومًا كإسبانيا التي عهدها سابقًا. وفي منزل بعيد عن ضجيج مدريد، تحولت جدران هذا المنزل إلى أغرب أعمال غويا إلى يومنا هذا.
منزل الرجل الأصم :
بعد هذه الأحداث، وفي عام 1819، اشترى غويا منزلًا ريفيًا في أطراف مدريد يدعى "كوينتا ديل سوردو" أو "منزل الرجل الأصم". قد يبدو أن الاسم أُطلق عليه بسبب غويا، ولكن المفارقة أنه سُمِّيَ هكذا بسبب مالكه السابق الذي كان أصم أيضًا.
في هذه الفترة، تجاوز غويا السبعين من عمره، وقد عاش ما يكفي من المرض والحرب والبؤس. وفي هذا المنزل، بعيدًا عن البلاط، بدأ فصلًا جديدًا في حياته الفنية.
وفي الفترة بين عامي 1819 و1823 تقريبًا، بدأ غويا يرسم على جدران المنزل رسومًا لم يطلبها منه أحد، ولا نملك دليلًا واضحًا أنها كانت مخصصة للجمهور، كما أن غويا لم يترك لنا عناوين مؤكدة لهذه الأعمال والأسماء التي نعرفها بها اليوم جاءت لاحقًا.
رسم غويا 14 لوحة لوجوه مشوهة وشخصيات غريبة وساحرات وأمور عنيفة ومخلوقات غير مألوفة، لدرجة أنه يصعب أحيانًا علينا معرفة ما أراد غويا قوله من هذه اللوحات. وبسبب طغيان اللون الأسود والبني والرمادي فيها، أُطلق عليها لاحقًا اسم "اللوحات السوداء". ولكن أكثر ما يجعل هذه الأعمال غريبة ليس سوادها ولا الشخصيات التي تسكنها، بل أننا لا نملك تفسيرًا نهائيًا لها.
كل ما رأيناه إلى الآن كان غويا يرسم ما يراه الناس، ولكن من الآن سنرى ما الذي كان يراه غويا.
داخل عقل غويا اللوحات السوداء :
السحر والخرافة :
أسموديا :
إذا أردت البحث عن العجائب، فهي ليست بذلك البعد. فالعجب في هذه اللوحة يبدأ من الاسم. كما ذكرت سابقًا، غويا لم يسم اللوحات، ولكن تم إطلاق اسم "أسموديا" في إشارة على الأرجح إلى الشيطان أسموديوس المعروف في التراث الديني والأدبي نرى فيها شخصين يحلقان في الهواء، وهناك جندي ممسك ببندقيته مركزًا على هدفه. و ما سر تلك الإشارة؟ هل هو يشير إلى شيء ما أم مكان ما؟ هناك الكثير من التفسيرات حول هذه اللوحة ولا يوجد تفسير أكيد لها.
ربات القدر :
في هذه اللوحة قد يكون لدينا أساس نبني عليه، ولكن ليس بشكل كامل، بحيث نرى فيها ربات القدر من الأساطير اليونانية: كلوثو، لاخيسيس، وأتروبوس. الفكرة في الأسطورة أنهن يتحكمن في قدر الإنسان، فكلوثو تغزل الخيط، ولاخيسيس تحدد طوله، وأتروبوس تقطعه، أي تنهي حياة الإنسان. ولكن الغريب هو وجود شخصية رابعة، من هي؟ لا نعلم، ولا يوجد اتفاق نهائي على هويتها.
سبت الساحرات :
وكغيرها من لوحات السحر لدى غويا، الكثير من الأشياء غير واضحة. نرى التيس الأسود وسط حشد من الوجوه المشوهة والمخيفة. ارتبط التيس الأسود في بعض التقاليد الأوروبية بالشيطان والسحر، ونرى أيضًا امرأة منفصلة عن المجموعة تجلس في أقصى اليمين، وهذا أحد ألغاز اللوحة أيضًا. أما سبب التسمية بـ "سبت الساحرات"، فغالبًا ما يرجع إلى التكوين، فهو تصور فولكلوري أوروبي قديم لاجتماع الساحرات في الليل لإقامة طقوس مرتبطة بالسحر والشيطان. وكما ذكرت سابقًا، غويا في فترة من فترات حياته أبدى اهتمامًا بالسحر والخرافات.
الوجوه والمجتمع :
رجال يقرؤون :
انظروا إلى هذه الوجوه، إنها تخرج من وسط العتمة. فنحن نرى رجالًا مجتمعين حول رجل ممسك بورقة، وكما عهدنا في لوحات غويا، لا يوجد شيء واضح فيها. اللوحة يتركز الضوء فيها على الوجوه في وسط هذه العتمة، ولكن أحد التفسيرات المطروحة قد يربطها بعض الباحثين بالسياسة الإسبانية في زمن غويا، فقد يكون الرجال مجتمعين لقراءة صحيفة أو منشور سياسي، وربط بعض الباحثين المشهد بالاجتماعات السياسية السرية في فترة الاضطرابات والقمع السياسي في إسبانيا.
نساء يضحكن :
لن أتحدث عن هذه اللوحة لأن فيها إيحاءً جنسيًا، ولكن وجب التنويه إلى أنها جزء من اللوحات السوداء، والتي بالمناسبة كانت موضوعة في نفس طابق لوحة "رجال يقرؤون".
رجلان مسنان :
نرى في هذه اللوحة شيئًا مرعبًا وغير مريح في نفس الوقت، عجوزًا بلحية بيضاء مع عجوز آخر يقترب من أذنه. وهنا أحد التفسيرات أن غويا صور هذا العجوز على أنه انعكاس لنفسه، فكما نعلم فقد كان أصم، ولكن من وجهة نظري أكثر شيء غير مريح فيها هو ملامح الوجوه.
عجوزان يأكلان الحساء :
وطبعًا، إحدى عجائب غويا هي لوحة "عجوزان يأكلان الحساء". انظروا إلى هذين العجوزين، الأول على اليسار واضح أنه عجوز، أما الذي على اليمين فهو مخلوق مشوه أشبه بمسخ، عيناه غير واضحتين، وشكل وجهه وكأنه هيكل عظمي. ربما نستطيع تفسير هذه اللوحة بأن الحياة والموت يجلسان معًا إلى طاولة الطعام.
الدين والحشود :
الحج إلى سان إيسيدرو :
من الصعب تغيير عادات الإنسان، وعادة غويا في رسم الوجوه المشوهة لا تفارقه في اللوحات السوداء، كما نرى في لوحة "الحج إلى سان إيسيدرو". البشر متكدسون فوق بعضهم وهم أشبه بالمسوخ، وجوه بشرية غير مريحة، ونرى أن طابورهم يمتد إلى الخلف حتى تراهم وهم يذوبون في الظلام.
إحدى التفاصيل الجميلة أن احتفالات سان إيسيدرو كانت مناسبة شعبية في مدريد، وغويا نفسه تناول موضوعها ورسمها بألوان تعج بالحياة في لوحة " مرج سان إيسيدرو 1788 " ، ولكن الآن نرى نفس المناسبة ولكن يغمرها السواد. نفس المجتمع ونفس الناس، ولكن ربما الذي اختلف هنا هو نظرة غويا لهم.
الحج إلى نافورة سان إيسيدرو :
لن أطيل القول فيها لأني بكل أمانة لم أستطع فهمها، ولكن كالعادة الشعور بعدم الراحة ملازم للوحة وخصوصًا الوجوه ووجود المرأة الحامل.
العنف والموت :
مبارزة بالهراوات :
إحدى أشهر اللوحات السوداء نرى فيها رجلين يتقاتلان بالهراوات، يبدو أن الأمر وصل بينهما إلى طريق مسدود والنقاش لم يعد ينفع.
أحد أشهر تفسيرات اللوحة يراها رمزًا للصراع الداخلي بين الإسبان: إسباني يضرب إسبانيًا، في انعكاس للانقسامات السياسية والاجتماعية التي عاصرها غويا. لكن هذا تفسير لاحق، ولا نملك من غويا ما يؤكد أنه قصد ذلك تحديدًا.
كما أننا يمكننا رؤية غرق قدميهما، وهذا بُني عليه تفسير لاحق أيضًا أنهما كلاهما يتقاتلان ولا يمكنهما التراجع بسبب غرقهما. ومن وجهة نظري، عندما رأيتها للمرة الأولى تذكرت قابيل وهابيل، وكل هذه تكهنات لاحقة لا شيء منها مؤكد من غويا نفسه.
يهوديت وهولوفرنيس :
لهذه اللوحة نكهة مميزة؛ بسبب أن لدينا قصة معروفة نستطيع البناء عليها، وهي قصة يهوديت وهولوفرنيس الواردة في سفر يهوديت. تحكي القصة أن هولوفرنيس، قائد عسكري، يحاصر قوم يهوديت، فتدخل يهوديت معسكره، وتستغل افتتانه بها، ثم عندما يصبح عاجزًا عن المقاومة تقطع رأسه وتنقذ قومها. العجيب في هذه اللوحة أنه غالبًا ما يتم تصوير لحظة قطع الرأس، ولكن غويا قام بشيء مختلف؛ أخفى هولوفرنيس من المشهد بحيث أنه بالكاد يكون ظاهرًا فيه، ونرى يهوديت في قلب هذا المشهد ترفع أداة القطع. وقد ترمز هذه العلامة إلى أنها لم تبدأ بعملية قطع الرأس بعد. وهذا ما يميز غويا عن الأغلب؛ أنه لم يصور هولوفرنيس بطلًا لهذا المشهد أو لحظة قطع الرأس، بل قرر أن يجعل يهوديت هي بطلة المشهد.
ساتورن يلتهم ابنه :
عند ذكر اللوحات السوداء، أول لوحة تخطر على البال هي لوحة "ساتورن يلتهم ابنه"، وهي لوحة مبنية على الأساطير اليونانية/الرومانية. في القصة الشهيرة، ساتورن بعدما أطاح بوالده، خاف من نبوءة أن أحد أبنائه سيطيح به، وذلك ما جعله يلتهم كل أبنائه.
ولكن غويا أبدع في هذه اللوحة بحيث أنه حوّل خوف ساتورن إلى هوس، حيث أننا نرى أن ساتورن مخلوق ضخم مشوه، كما أننا نرى أنه لا يمسك بطفل، فالجسد لا يبدو جسد طفل رضيع، بل يبدو ناضجًا بصورة غريبة، وكأنه أصبح يلتهم أي شخص يعتبر تهديدًا له، بل إننا نرى الأظافر المغروسة في الجثة. كل هذه المشاهد تخلق الرهبة في نفس الإنسان. من وجهة نظري، غويا رسم أسطورة ساتورن نفسها ولكنه ضخّم العيوب فيها حتى تصبح أشنع مما هي عليه.
الوحدة والغموض :
ليوكاديا:
نرى فيها امرأة متكئة بجانب ما يبدو كتلٍ ترابي، لا نعلم على وجه اليقين من تكون أو ما الذي تفعله. والغريب أن ملامحها تبدو طبيعية وهادئة بشكل لافت، وهذا وحده يثير الريبة؛ فهي مريحة قليلًا مقارنة بالشخصيات المشوهة والمخيفة التي اعتدنا رؤيتها في اللوحات السوداء. ومع ذلك، يظل في المشهد شيء ثقيل وغامض، وكأن هذا الهدوء لا ينتمي إلى المكان.
الكلب :
بعد أن رأينا الحشود والساحرات والأساطير، نختم رحلتنا بلوحة تدعى "الكلب". لا نرى فيها عدوًا أو ساحرة، مجرد مشهد خالٍ أغلبه، وفي قلب المشهد يصرخ رأس الكلب. لا نرى جسده، مجرد الرأس. مجرد فراغ وشعور بعدم الارتياح.
الآن بعد أن وصلت إلى هذه النقطة، سأسألك السؤال الذي بدأت به المقال: لو خُيِّرت في خسارة إحدى حواسك الخمس، ماذا ستكون؟












































مثل ما
المعنى يكمن في قلب الشاعر
أيضًا
المعنى يكمن في قلب الرسام 💛
قصته مؤثرة و ولوحاته رغم غموضها الا أنها تلامس القلب وتفهم مشاعرياً أكثر من كلامياً
كأن الرسام وضع حزمة مشاعر في كل لوحة.. يلامسن قلب كل فنان
غموضٍ في التفسير والمعنى.. و مشاعر عميقة لا تُفهم في كل لوحة
لا اعلم ان شعرتوا مثلي
لكن مع كل لوحة رأيتها شعرت بمشاعر اللوحة (التي مصدرها شعور الرسام حينها) هبت برياحها نحوي
سأختار حاسة الشم
لأنني أستطيع أن أستغني عن الروائح لكنني لا أستطيع أن أستغني عن أن أرى أسمع ألمس وأعبّر.