من الفخر إلى العدم: تحليل عقل ابو العلاء المعري
"هذا جناهُ أبي عليَّ وما جنيتُ على أحدْ"
أبو العلاء المعري أحد المفكرين والشعراء والفلاسفة العرب. عندما نتحدث عن المعري، فهو قد عاش حياته على فترتين، الفترة الأولى كانت مليئة بالفخر، أما الفترة الثانية فهي فترة اليأس.
رحلة ترينا هشاشة الإنسان والانتقال من:
"وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل"
إلى:
"رَبِّ مَتى أَرحَلُ عَن هَذِهِ الـدُنيا فَإِنّي قَد أَطَلتُ المُقام
لَم أَدرِ ما نَجمي وَلَكِنَّهُ في النَحسِ مُذ كانَ جَرى وَاِستَقام"
إذًا ما الذي أوصل أبا العلاء إلى هذه المرحلة؟ هذا ما سوف أحاول الإجابة عليه.
أبو العلاء المعري مولود في سوريا وتحديدًا في معرة سوريا. تقول الأقاويل إنه في طفولته أصيب بمرض جعله يفقد بصره، ولكن أبا العلاء المعري كان يسكن في بيت يملؤه العلم، لذلك كان والدا أبي العلاء المعري يقرآن له الكتب، وهذا ما جعله من أعلم رجال قريته. يقال من المبالغة أنه إذا ضاعت صفحة من كتاب يسأل عنها فيقول محتواها.
أبو العلاء المعري كان أحد أكبر معجبي أبي الطيب المتنبي، وحتى إنه كان في مجلس بين أناس تستهزئ بالمتنبي فوقف بينهم وقال أحد أبيات المتنبي الشهيرة: "وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ". لذلك أحيانًا أتعجب كيف شخص ذو طموح عالٍ وأحلام كبيرة يصل إلى تلك المرحلة، أبو العلاء المعري، رغم أن الناس لم يحترموه في بغداد بسبب أنه أعمى، إلا أنه كان شابًا ذا طموح حتى آخر رمق.
ولكن في أحد الأيام تأتي الفاجعة وهو في طريق عودته إلى سوريا، عائدًا لرؤية أمه المريضة، وصله خبر موتها. وهذا ما جمع له صدمتين حطمتاه وهما موت أمه وخسارة حلمه بأن يكون أعظم الشعراء.
ليعود أبو العلاء المعري إلى سوريا ويحكم على نفسه بالسجن الأبدي، وفي هذه الفترة أطلق عليه لقب "رهين المحبسين". المحبس الأول اختياري وهو لزوم داره، والثاني إجباري وهو فقدان بصره، حتى إنه بعد فترة جعلهم 3 محابس.
" أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني
فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي
وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ "
مجرد وجود روحه في جسده اعتبره سجنًا، نرى أبا العلاء المعري في كثير من أبياته يذكر رغبته بالموت، مثل: "تَعَبٌ كُلّها الحَياةُ فَما أعْـجَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِإنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ" وفي أبيات أخرى: "رَبِّ مَتى أَرحَلُ عَن هَذِهِ الدُنيا فَإِنّي قَد أَطَلتُ المُقام لَم أَدرِ ما نَجمي وَلَكِنَّهُ في النَحسِ مُذ كانَ جَرى وَاِستَقام"
وأبيات أخرى يحسد فيها أبناءه لأنهم لم يأتوا لهذه الدنيا المتعبة: "وَأَرَحتُ أَولادي فَهُم في نِعمَةِ العَدَمِ الَّتي فَضَلَت نَعيمَ العاجِلِ وَلَو أَنَّهُم ظَهَروا لَعانوا شِدَّةً" وهذا يقودنا للبيت الموجع الذي طلب أبو العلاء المعري أن يتم كتابته على قبره وهو: "هـذا جـنـاهُ أبـي عـلـيَّ وما جـنـيـتُ عـلى أحـدْ"
لو حللنا البيت وتفكرنا فيه قليلًا سوف ندرك مقدار الألم الذي عاشه أبو العلاء المعري ليشبه الإنجاب بالجريمة. كان أبو العلاء المعري وتحديدًا في وقت كتابة هذا البيت يرى الإنجاب على أنه جريمة والمجرم هو الأب. رفض أبو العلاء الإنجاب، كان قناعة داخلية أن كل أب مجرم لأنه أنجب ابنًا لكي يعيش حياة لم يخترها. هذا الأمر كان جريمة بالنسبة لأبي العلاء المعري كما نستطيع تأكيد هذا عندما قال:
"فما وُلد الإنسان إلا لشقوةٍ، فما لحياته يبغي طويلًا.
بل إنه في كثير من الأحيان تمنى عدم الإنجاب: أرى جيل تعسٍ لا يدوم بقاؤه، ليت الوليد مات في ساعة الوضع.
هذا يعيدنا إلى السؤال الأول: ما الذي أوصل أبا العلاء لهذه المرحلة؟
طريقة تعامل الإنسان مع الأمور تبدأ بالتفكير، يأخذ الإنسان المدخلات ثم يعالجها ثم يخرجها.
مثال لتوضيح الفكرة: لو أحضرنا شخصين وأخبرنا الأول: "أنت ذكي جدًا" مع ابتسامة، طريقة معالجته للأفكار سليمة لذلك سيراها كنوع من الإطراء. ولكن على الكفة الأخرى لو أحضرنا شخصًا تعرض للتنمر وهو طفل، سوف يراها كسخرية لأن طريقة معالجته للأفكار غير صحيحة أو بوصف آخر يعالجها بطريقة سيئة.
أبو العلاء المعري كان يعالج المدخلات بطريقة صحية، وذلك ما كان يجعله فخورًا بنفسه وفطنًا. على سبيل المثال، عندما داس على يد أحدهم عن طريق الخطأ وقال له الشخص: "يا كلب"، رد عليه أبو العلاء المعري: "الكلب من لم يعرف للكلب سبعين اسمًا". لم يحقر نفسه أو يعتذر، كانت مدخلاته وطريقة معالجته ومخرجاته سليمة.
ولكن بعد الصدمة التي حصلت له، أصبحت طريقة معالجة أفكاره غير صحية البتة. إذا فسدت أفكار الشخص فسد جسمه، ولذلك لا أستطيع تخيل حالته الصحية. الحمل الذي كان يحمله معه دائمًا في داخله، شخص مثله يعتبر عبقريًا ألف ديوان يدعى "لزوم ما لا يلزم"، حيث ألزم نفسه بقافية فوق القافية الاعتيادية. شخص يستطيع القيام بهذه الأمور التي تحتاج عبقرية وذكاء خارق، مع طريقة معالجته للأفكار، أنا متأكد أنه عانى وجعًا وألمًا لا يستطيع تخيله مخلوق بشري.
لذلك أحيانًا علينا التوقف للحظات والنظر لطريقة تعاملنا مع الأفكار، هل معالجتنا لها سليمة أم أننا نحتاج لإصلاح طريقة تفكيرنا؟

