"دع المساجد للعباد تسكنها وطف بنا حول خمار ليسقينا ما قال ربك ويل للذين سكروا ولكن قال ويل للمصلينا"
أبو نواس هو الحسن بن هانئ، وهو أحد أكثر الشعراء إثارة للجدل. دعونا نبحر في قصص هذا الشاعر ونرى كيف تغيرت أفكاره من "ألا فاسقني خمرًا، وقل لي: هي الخمرُ، ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهرُ فما العيشُ إلا سكرةٌ بعد سكرةٍ" إلى "يا ربِّ إن عظُمت ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمَن يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ".
قد يظن البعض أن أبا نواس شخصية عربية، ولكن الحقيقة أن له أصولًا مختلطة، بل إن والدة أبي نواس كانت فارسية، ولذلك أبو نواس يعتبر شخصية عالمية، بل إنه قد لُفّق فيه الكثير من القصص الكاذبة.
إذا أردنا التحدث عن أبي نواس، لنكن شفافين فيما بيننا: هو مشهور بشيئين، الخمريات وأنه شاذ. وبما أننا تحدثنا عن ميول أبي نواس، فقد قال أحد الناس يُدعى الجماز:
سمعت أبا نواس يقول: أشتهي شيئًا لا أجده في دنيا ولا في آخرة. قلت: ويحك، في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قال: له هذه الشهوة ما أجدها لا في الدنيا ولا في الجنة. قلت له: ويلك ما هي؟ قال: أشتهي غلامًا حلالًا. فقلت له: اعزب قبحك الله، فوالله لا تفلح أبدًا.
وقصة اخرى من القصص
حضر أبو نواس مجلساً عند الخليفة هارون الرشيد في ليلةٍ من ليالي الأنس، وكان في المجلس غلام يُدعى أبو طوق اشتهر بجماله وحسن صورته، وكان أبو نواس معجباً به أشد الإعجاب.
ولما انتهى المجلس وأراد الحاضرون النوم، خشي الرشيد أن يحاول أبو نواس الاقتراب من أبي طوق، فأمر أبا طوق أن ينام على السرير، وقال لأبي نواس:
— أما أنت فتنام معي على الأرض أسفل السرير.
فأطاع أبو نواس الأمر على مضض، وإن كان غير راضٍ به في نفسه.
تظاهر الرشيد بالنوم وهو يراقب ما يحدث، ثم فتح عينيه بعد حين، فإذا بأبي نواس قد ترك مكانه وصعد إلى السرير، وجلس إلى جوار أبي طوق يعانقه ويضمه.
فصاح به الرشيد:
— ويحك يا أبا نواس! ما الذي أتى بك إلى هنا؟
فابتسم أبو نواس وقال مازحاً:
هزَّني الشوقُ من أجلِ أبي طوقِ
فتدحرجتُ من أسفلٍ إلى فوقِ
فضحك الرشيد من سرعة بديهته وقال:
— قاتلك الله! ما تزال تجد لكل أمرٍ حيلةً ومخرجاً.
وقصص أبي نواس من ناحية الميول كثيرة ولا تنتهي وغريبة، ولكن دعنا نتحدث عن جوانب أخرى لأبي نواس مثل فطنته. كان أبو نواس فطنًا لدرجة كبيرة، ومن القصص...
كان لدى هارون الرشيد جارية تدعى خالصة. في ذلك اليوم، كان أبو نواس لديه قصيدة يريد قولها لهارون الرشيد حتى يربح منها، فأوقفه الحراس وقالوا له إن هارون الرشيد مع خالصة، انتظر حتى ينتهي. جلس أبو نواس وانتظر وانتظر وطال انتظاره حتى مر الحرس ومعهم عقد من الذهب. والواضح لدينا أن أبا نواس أصابه الزعل وكتب على الباب:
"لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع عقدٌ على خالصة"
والناس أصبحت تمر وتضحك. فعندما علمت خالصة، حزنت وقالت لهارون الرشيد إن صاحبك أبا نواس أساء لها. سألها هارون الرشيد: لماذا؟ ردت: لقد كتب على الباب كذا وكذا، وهل العقد علي خسارة؟
خرج هارون الرشيد وفعلاً رآه وأمر حراسه أن يحضروه. وعندما ذهبوا لجلب أبي نواس، علم ما فعل وهو ذاهب. عندما وصل عند الباب، أخذ بردائه ومسح (عندنا في السعودية نسميها كرشة، لا أعلم عنكم) لكنه مسح كرشة حرف العين أو معدته. فعندما دخل، سأله هارون الرشيد: لماذا تقول عن خالصة هكذا وهكذا؟ قال أبو نواس: ما قلت هذا، اخرج وتأكد. عندما خرج هارون الرشيد، رأى البيت الشعري أصبح:
"لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء عقدٌ على خالصة"
ومن القصص الطريفة أن هارون الرشيد مر مع موكبه فرأى أبا نواس يشرب خمرًا، فسأله: ما الذي تشربه يا أبا نواس؟
رد أبو نواس: لبن يا أمير المؤمنين. رد هارون الرشيد: وهل اللبن أحمر؟ رد أبو نواس: أحمر خجلًا منك.
وبما أننا دخلنا في موضوع الخمر، هناك حادثة حدثت ترينا مدى فطنة أبي نواس، أن أحد أبيات أبي نواس وصلت لهارون الرشيد وهي:
ألا فاسقِني خمرًا، وقل لي: هي الخمرُ،
ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهرُ
أبو نواس هنا يقول: اسقني خمرًا وقل لي هذا خمر عادي، ولا تسقني بالسر وتستحي، ترى عادي.
فأمروا بقتل أبي نواس، فعندما علم أبو نواس بذلك قال لهارون الرشيد: أتقتلني شهوة في قتلي؟ رد هارون الرشيد: لا بل أنت مستحق للقتل بقولك: ألا فاسقني خمرًا، وقل لي: هي الخمرُ، ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهرُ.
فرد عليه أبو نواس: أفتعلم أنه سقاني وأنا شربت؟ فرد عليه هارون الرشيد: أظن ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، أفتقتلني على الظن، وقد قال الله تعالى: " إن بعض الظن إثم ".
فرد هارون الرشيد: "بل قلت ما تستحق القتل عليه." وقال أحد الأبيات المنسوبة له:
"ما جاءني أحدٌ يخبّر أنّهُ
في جنّةٍ مُذ ماتَ أو في نارِ"
(هارون الرشيد يرى أن في هذه الأبيات طعنًا وإلحادًا، وهو يسأل هنا لماذا قالها.)
فرد أبو نواس: "وهل جاءنا أحد؟" رد هارون الرشيد: "لا." رد أبو نواس: "أتقتلني على الصدق؟"
واستمرت المناظرة بين هارون الرشيد وأبي نواس حتى عفا عنه هارون الرشيد واقتنع بكلامه.
عاش أبو النواس حياته مخمورًا مشغولًا بالتمتع، متتبعًا شهواته، على الرغم من حفظه القرآن منذ عمر السبع سنوات تقريبًا، وأيضًا كان على اطلاع على الأحاديث النبوية.
ومتى أدرك عظم ذنبه؟ عندما أصابه المرض في أواخر عمره، أدرك أبو النواس عظم أعماله وسوءها، فتاب عنها وصدق في توبته. وهناك قصص كثيرة عن موته، وكلها جميلة جدًا في الحقيقة، ولذلك سوف أذكر ثلاث قصص عن موته من الأقوى سندًا إلى الأضعف سندًا.
أبو النواس والإمام الشافعي:
دخل الإمام الشافعي مع الربيع بن سليمان وهو يجود بنفسه (يحتضر أو يقترب من الموت)، فقالا: ماذا أعددت لهذا اليوم؟ فأنشد يقول:
تَعاظَمَني ذَنبي فَلَمّا قَرَنتُهُ
بِعَفوِكَ رَبّي كانَ عَفوُكَ أَعظَما
فَما زِلتَ ذا عَفوٍ عَنِ الذَنبِ لَم تَزَل
تَجودُ وَتَعفو مِنَّةً وَتَكَرُّما
ورأوا أنهم وجدوا بجانب رأسه رقعة مكتوب عليها أحد أعظم ما كتبه طول عيشته:
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا
وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ
مكتوبة بخط يده.
والقصة الأخرى:
أن محمد بن نافع رأى أبا نواس وهو نائم بعد وفاته، وقال له: يا أبا نواس! فرد عليه: لا تكنني (المقصود هنا لا تنادني بكنيتي الآن، ليس هذا الاسم الذي أُدعى به هنا). رد عليه محمد بن نافع: الحسن بن هانئ؟ فقال أبو نواس: نعم. فرد محمد: ماذا فعل بك ربك؟ رد أبو نواس: لقد غفر لي بأبيات كتبتها في علتي قبل موتي تحت وسادتي.
فسأل أهله فقالوا: لا نعلم، لكنه طلب منا الدواة (إناء الحبر الذي يُغمس فيه القلم للكتابة) وقرطاس (الورق أو الصحيفة التي يُكتب عليها). فدخل ورفع وسادته ووجد ورقة صغيرة مكتوب عليها الأبيات التي ذكرتها في الأعلى: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً.
وهناك قصة ثالثة، وهي أضعف القصص، أنه عندما مات أبو نواس رفض الشافعي أن يصلي عليه (وفي رواية أخرى أن يدفن في مقابر المسلمين)، ولكن بينما كانوا يغسلون جثمانه وجدوا في ملابسه رقعة مكتوب عليها الأبيات الشهيرة: "يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً" (وفي رواية أخرى أن شخصًا أتى راكضًا بعدما وجدها بجانب وسادته)، وبكى الإمام الشافعي على ذلك وصلى عليه وجمع الناس ليقيموا الصلاة عليه.
تحليل شخصي لشخصية أبي نواس:
أبو نواس، كما ذكرت في البداية، أحد أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للجدل، ولا نختلف على أنه أحد أفصح الألسنة العربية، ونستطيع أن نرى ذلك في أشعاره سواء من الغزل: "سَأَلتُها قُبلَةً فَفِزتُ بِها بَعدَ اِمتِناعٍ وَشِدَّةِ التَعَبِ"، أو من الهجاء: "مَنَحتُكُمُ يا أَهلَ مِصرَ نَصيحَتي أَلا فَخُذوا مِن ناصِحٍ بِنَصيبِ".
ولكنه لم يدرك أو يعترف بعظم ذنوبه إلا وهو على فراش الموت، تذكر أبيات: "يا أحمدُ المرتجى في كل نائبة قم سيدي نعص جبار السموات"، أو عندما قال: "ولا تخشَ المرورَ على الصراط".
أبيات معانيها عظيمة لم يدرك ثقل وسوء هذه الكلمات إلا عند اقترابه من الموت. لذلك علينا جميعًا أن نحذر من تصرفاتنا، فقد نرتكب أخطاء عظيمة وننكر أنها عظيمة للبشر، ولن نستطيع إنكار أخطائنا لرب البشر. لذلك اعترف بذنبك وتب قبل فوات الأوان، ربما لا تمرض كمرض أبي نواس وتدرك أخطائك لتتوب منها.
أدعو الله أن يغفر لجميع موتى المسلمين.
المصادر المستخدمة:
أخبار أبي نواس: ملحق الأغاني (356)
البداية والنهاية: ابن كثير
نوادر الخلفاء (إعلام الناس بما جرى للبرامكة مع بني العباس)
موقع ديوان
أحد الأصدقاء جزاهم الله خيرًا



🤍🤍🤍