ليست كل ابتسامة دليلًا على السعادة، وليست كل مشاجرة تحمل في طياتها الكراهية. وهذا ما حاول الرسام الإيطالي بيترو سالتيني التعبير عنه في لوحته Le gioie di casa، التي تعني "أفراح المنزل" والتي رسمها خلال الفترة الممتدة بين عامي 1839 و1908.
كان الفنان الإيطالي بيترو سالتيني مشهورًا بتحويل مشاهد الحياة اليومية داخل المنازل إلى لوحات تبدو وكأنها مشاهد مسرحية نابضة بالحياة، تلامس مشاعر كل من يتأملها فكل لوحة من أعماله تفتح نافذة على ما يجري خلف جدران المنزل، كاشفة تفاصيل العلاقات الإنسانية وما يرافقها من أفراح وخلافات ولحظات صادقة.
تحليل المشهد و الشخصيات :
عندما يرى الإنسان هذه اللوحة لأول مرة، قد يظن أنها مجرد مشهد عائلي مليء بالفوضى، لكن مع التمعن في تفاصيلها يدرك أن الرسام لم يرسم شجارًا بين أطفال فحسب، بل رسم جانبًا من الحياة المنزلية بكل ما فيها من ضجيج وتعب ومواقف مضحكة. اختار الرسام هذه اللحظة الذكية ليوقف الزمن فيها، وكأنه يقول: انظروا ماذا سيفعل الأب.
الاب :
انظروا إلى كومة الأوراق هذه، يبدو أن أعمال الأب قد تراكمت على رأسه. وإذا نظرنا إلى وجه الأب، فهو لا يبدو غاضبًا أو حزينًا، بل يبدو منزعجًا وكأنه يقول: "ها قد عدنا إلى نقطة البداية"، وكأن هذا المشهد يتكرر كل يوم في هذا المنزل.
يا لها من ملابس أنيقة يا حضرة الأب! الملابس والمكتب دليل على أنه يعمل في وظيفة مكتبية. لا بد أنه كان في منتصف عمله عندما اندلعت هذه الحرب داخل المنزل.
الام :
يا لها من أم مسكينة! إنها حلقة الوصل بين هذا المنزل والأب. جسمها المائل إلى أذن الأب، ورد فعل الأب على تصرفها بأنه يسد الأذن التي في جانبها، وذراعاها اللتان تشيران إلى مصدر الإزعاج. المشهد يبدو وكأنها تصرخ لزوجها: "هل ستدعمهما يستمران في الشجار؟ قم وأوقفهما!".
الطفل :
الطفل في هذا المشهد ملتصق بأمه وكأنه يقول لها "خبئيني من هذه المعركة"، وهذا ما يجعل الأم مشغولة أكثر مما هي عليه، ولذلك تطلب من الأب التدخل لإيقاف هذا الشجار بينما تقوم بتهدئة الطفل الخائف.
الأخوان :
هما القلب النابض لهذا المشهد المسرحي. انظروا إلى الفوضى في المكان، نستطيع رؤية أوراق اللعب، لا بد أنها كانت لعبة شرسة. قد يكون أحدهما غش في اللعبة أو قد يكون أحدهما فاز فيها.
انظروا وتمّعنوا في ملابس الطفلين، هل لاحظتم شيئًا ما؟ انظروا إلى الطفل الملقى على الأرض يرتدي ملابس أنيقة كملابس والده، أما الطفل في الأعلى فذراعاه بارزتان كذراعي أمه. كما نرى أن الأم والطفل الذي في الأعلى كلاهما فوق الأب والأخ الآخر، وكأن مشاكل الأبناء هي مجرد انعكاس لما يحدث لوالديهما.
الاخت :
الأخت في هذه اللوحة للمرة الأولى قد ترى أنها لا تتدخل في هذه المعركة، ولكنها تتدخل فيها بصوتها لا بجسدها، فهي التي تصرخ طالبة الإغاثة من الوالدين لإيقاف المعركة بين هذين الأخوين، وكأنها المحرك الذي أجبر الأم على التحرك لكي تطلب من الوالد أن يتدخل ويوقف هذه المشاجرة.
البيئة :
قد يظن الشخص عند نظره لها للوهلة الأولى أنها عائلة من الطبقة الفقيرة، ولكن انتظروا جيدًا معي، فملابس أفراد العائلة جميعًا سليمة ونظيفة وليست ممزقة مهترئة، كما أنهم يملكون مدفأة ومشروبات كحولية وأوانٍ منزلية، ويمتلك الأب مكتبًا خاصًا به.
كل هذه العناصر تدل على أن الأسرة ليست فقيرة، لكنها أيضًا ليست من الطبقة الثرية، بل أقرب إلى الطبقة المتوسطة أما الأوراق المبعثرة والأواني المكسورة، فهي تزيد من الإحساس بالحركة، وتجعل المشاهد يشعر بأن الشجار وقع منذ لحظات قليلة.
الحالة الاجتماعية :
الأب يبدو موظفًا ، والبيت منظم ويحتوي على أثاث جيد، لكن الغرفة نفسها تؤدي أكثر من وظيفة، مما يدل على أنهم لا يعيشون في قصر أو منزل فاخر.
اهتمام الرسام بهذه الطبقة يعكس رغبته في تصوير الحياة اليومية للناس العاديين بدلًا من رسم النبلاء أو الشخصيات التاريخية.
الرسالة :
رغم أن اللوحة اسمها "أفراح المنزل"، إلا أنها مليئة بالفوضى والصراخ، وهنا تكمن المفارقة.
يبدو أن الرسام اراد إيصال رسالة أن أفراح المنزل لا تكمن في الهدوء والابتسام فقط، بل إن الحياة الأسرية مليئة بالأحداث المزعجة والصاخبة والمضحكة في آن واحد، وأن هذه الفوضى جزء لا يتجزأ من دفء المنزل.
ولهذا، ظلت هذه اللوحة محبوبة ليومنا هذا؛ لأنها تصور مشهدًا يستطيع الجميع التعرف عليه، ومهما اختلف المكان والزمان، سيظل هذا المشهد مألوفًا لدى الأغلب.
أظن أن بيترو سالتيني نجح في رسم لوحة توصل إلينا رسالة مفادها أن العائلة لا تعني أن يعيش أفرادها في سعادة وضحك كل يوم، بل إن مفهوم الأسرة أعمق من ذلك. فالشجارات والخلافات ليست نقيضًا للترابط، بل قد تكون جزءًا من دفء الأسرة الذي لا يتجزأ.













دايم مقالاتك ممتعه بشكل لا تتصوره
قريتها وتحسن مزاجي الف درجة الاسلوب ممتع
اللوحه رهيبه!
علمتني شي كان لازم اتعلمه من زمان.. شكراً بارك ﷲ فيك ♡!.