تحمل الأمهات البشرية بشرًا، ولكن على مر التاريخ أنجبت بعض الأمهات بشرًا يجبرونك على التساؤل: هل حقًا الأرحام البشرية تحمل البشر فقط أم أنها قد تحمل أشباهًا للشياطين؟ أحد هذه الأمثلة هو إيفان الرهيب. ويبقى السؤال الصارخ هنا: لأي درجة كان إيفان رهيبًا ليُلقب بـ "إيفان الرهيب"؟
الفصل الأول | ولادة القيصر
الطفولة | خروف بين الذئاب
أتى إيفان فاسيليفيتش إلى هذه الدنيا في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1530. كان إيفان ابنًا لأمير موسكو فاسيلي الثالث وزوجته يلينا غلينسكايا، ولكن الأمير فاسيلي الثالث لم يقضِ طويلًا من الوقت مع ابنه إيفان، فقد مات تاركًا ابنه ذا الثلاث سنوات، تاركًا خلفه دولة كاملة لطفل بالكاد يعلم معنى العرش الذي أصبح ملكًا له.
بطبع طفل ذي ثلاث سنوات، لم يكن قادرًا على تولي الحكم، ولذلك في تلك الفترة تولت أمه يلينا غلينسكايا الوصاية عليه والحكم باسمه. وخلال هذه السنوات، حاولت والدته تثبيت حكمه، كما تخلصت من الأشخاص الذين يهددون عرشه لدرجة أنها قامت بسجن أقاربه. وإن أبرز الأمور التي قامت بها أنها في عام 1535 أجرت إصلاحًا للعملة الروسية، فوحّدت معايير العملات المتداولة وحاربت التلاعب بها، وأسهم إصلاحها في ظهور الكوبيك، العملة التي حملت صورة فارس ممسك برمح. ولكن حماية الأم لم تستمر لفترة طويلة.
وبشكل مفاجئ، وفي عام 1538، توفيت والدة إيفان، يلينا غلينسكايا، والذي لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره. وقد ظهرت روايات لاحقة بأن والدة إيفان قد ماتت عن طريق السم، ولكننا لا يمكننا اعتبار تسميمها حقيقة تاريخية محسومة.
وهكذا خسر إيفان في خلال نحو خمس سنوات كلا من والده ووالدته، وبقي طفلًا يحمل لقب الحاكم محاطًا برجال أكبر منه سنًا وأكثر منه خبرة، وكأنه خروف انفردت به الذئاب، وكل واحد من هؤلاء الرجال يريد نصيبه من السلطة.
في أوج هذه الأحداث، دخلت عائلات البويار في صراع شديد من أجل تولي السلطة. ومن أبرز هذه العائلات آل شويسكي وآل بيلسكي.فقد ظلت السلطة تتنقل من عائلة إلى الأخرى، بينما بقي إيفان طفلًا عاجزًا عن إيقافهم. فبينما كان هو الحاكم الحقيقي، كانت عائلات البويار هي المتحكم الحقيقي، فقد كانت تتحكم بالدولة من خلال استخدام اسمه.
والشيء الذي يدعو للاستغراب هو ما كتبه إيفان لاحقًا، فالمعاملة التي تلقاها كانت معاملة لا يمكن توقع أن الشخص الذي تمت معاملته بها قد كان حاكم روسيا. فبحسب أقوال إيفان، فقد أهمله البويار هو وأخوه، كما جعلوهما يعانيان من مشكلة في الطعام والملبس على الرغم من كثرة ووفرة الكنوز حولهما.
ذكر إيفان العديد من القصص التي تصف إهانة البويار، واشتكى لاحقًا تحديدًا من الأمير إيفان فاسيليفيتش شويسكي. ومن الأشياء التي ذكرها أن شويسكي كان يتصرف داخل القصر وكأنه صاحب المكان، حتى إنه وصفه بأنه كان يجلس واضعًا مرفقه على سرير والد إيفان وقدمه على كرسي، دون أن يبدي الاحترام المتوقع أمام الأمير الصغير.
على الرغم من ذلك، علينا التذكر بأن هذه التفاصيل أتت لنا منه وهو في عمر كبير، لذلك لا يمكن معرفة إلى أي مدى كانت الصورة التي رسمها لطفولته دقيقة، ولكن ما يمكننا التأكد منه هو أن أكثر مشهد تكرر أمام ناظري هذا الطفل هو الصراع على السلطة.
إذًا نستطيع رؤية ما يحدث الآن: رجال يحيطون بإيفان ويسيطرون على الدولة، بل إن طغيانهم وصل إلى أن يعزلوا ويسجنوا ويقتلوا بعضهم بعضًا. وبالطبع لا نستطيع غض بصرنا عن العائلات التي تتصارع على السلطة. فمثلاً، في عام 1542، تم القبض على إيفان بيلسكي، الذي كان أحد أبرز رجال السلطة، وما تبع اعتقاله كان قتله على يد آل شويسكي بعد عودتهم إلى السلطة والنفوذ. وهذا ما جعل إيفان يدرك بأنه إن لم يكن ذئبًا فقد تأكله الذئاب.
أما اللحظة التي غيرت نظرة البويار له فقد كانت في عام 1543 عندما حدث ما أثبت للبويار أن إيفان لم يعد مجرد خروف، فقد تبيّن أن هذا الخروف قد نمت له أنياب. ففي هذه الفترة، كان إيفان في الثالثة عشرة تقريبًا من عمره عندما أمر بالقبض على الأمير أندريه شويسكي، أحد أقوى رجال البلاط. وبعد القبض عليه، قُتل أندريه شويسكي على أيدي الرجال المكلفين بالقبض عليه لتصبح هذه الحادثة واحدة من اللحظات الأولى التي أظهر فيها إيفان أنه لم يعد ذلك الطفل الذي يستطيع البويار تجاهله. لا بد أن أنياب الخروف الصغير أصبحت مخيفة بالنسبة للذئاب الكبيرة.
أما بالنسبة للجانب الآخر من طفولته، فهو أن طفولة إيفان لم تقتصر فقط على العنف والسلطة، فقد كان متدينًا ومؤمنًا. فقد تلقى إيفان تعليمًا دينيًا وثقافيًا، وقرأ في النصوص الدينية والتاريخية، ونشأت لديه منذ صغره نظرة شديدة الأهمية إلى الحكم: أن سلطته ليست مجرد سلطة أمير، وإنما سلطة منحها الله للحاكم.
ولكن في عام 1547، بلغ إيفان السادسة عشرة من عمره، ولم يعد يريد أن يكون أميرًا لموسكو، ولم يعد مستعدًا ليحكم الآخرين باسمه. وفي السادس عشر من يناير، دخل إيفان كاتدرائية دورميتيون في موسكو، حيث توّجه المطران مكاريوس، ليتخذ لقبًا سيغير طبيعة حكم روسيا: قيصر عموم روسيا.
والأكثر إثارة للاهتمام أن البويار الذين ظلوا يتصارعون على العرش ويتجاهلون إيفان، لم يدركوا أن هذا الطفل كان يكبر بينهم ليصبح له أنياب حادة تستطيع كسر أنيابهم.
زواج القيصر | حين احب الرهيب
بعد أن تُوِّج إيفان في السادس عشر من يناير عام 1547 قيصرًا لعموم روسيا، بدأ بالتفكير في شيء لا يقل أهمية عن التاج نفسه، فقد أراد إيجاد نصفه الآخر وشريكة حياته.
إيفان ذو الستة عشر عامًا، بعد تتويجه قيصرًا لعموم روسيا، أصبح زواجه ليس مجرد مسألة شخصية، بل مسألة سياسية أيضًا، فقد تُنجب زوجته الابن الذي سيخلف أباه في الحكم.
ولهذا السبب أُقيمت عملية لاختيار عروس للقيصر، فقد تمت دعوة العديد من العائلات النبيلة من أنحاء روسيا لتقديم بناتها مرشحات للزواج من القيصر. وتذكر بعض الروايات أن أعدادًا كبيرة جدًا من الفتيات اللاتي دخلن عملية الاختيار، تصل في بعض المصادر إلى المئات وربما أكثر، لكن الأفضل ألا نتعامل مع الأرقام الدقيقة باعتبارها مؤكدة تمامًا، ولكننا نستطيع التأكد من شيء واحد وهو أن إيفان قد اختار في النهاية فتاة تُدعى أناستاسيا رومانوفنا زاخارينا-يوريفا.
لم تكن أناستاسيا تنتمي إلى أقوى العائلات في البلاط في وقتها، ولكنها أيضًا لم تكن ضمن عائلة يمكن الاستهانة بها، فقد كان والدها رومان يوريفيتش زاخارين-كوشكين قد خدم في زمن والد إيفان، كما أن أحد أقاربها كان من الأشخاص المرتبطين ببلاط إيفان منذ طفولته. ومن المعلومات المثيرة للاهتمام أن عائلتها ستصبح لاحقًا ذات أهمية هائلة في تاريخ روسيا، ومن المفارقات أن زواجها من إيفان رفع مكانة عائلتها داخل البلاط بصورة كبيرة، ومن هذه العائلة نفسها ستخرج لاحقًا سلالة رومانوف التي ستعتلي عرش روسيا عام 1613 وتحكم البلاد لقرابة ثلاثة قرون.
وفي الثالث من فبراير عام 1547، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على تتويج إيفان، تزوج أناستاسيا، لتصبح زوجة أول حاكم روسي تُجرى له مراسم التتويج رسميًا بصفته قيصرًا لعموم روسيا.
ولكن ما يجعل هذا الزواج مهمًا ليس مجرد توقيته أو مكانه بالنسبة لإيفان وأناستاسيا، بل بسبب العلاقة التي نشأت بينهما. فالعديد من المصادر تصف مرحلة زواج إيفان وأناستاسيا بأنها كانت من أسعد فترات حياة القيصر، بل وتقول العديد منها إن أناستاسيا قد أحدثت تغييرًا جذريًا في طباع إيفان ، فهي لم تكن مجرد امرأة شاركت القيصر عرشه، بل بدت وكأنها ملاك نزل عليه من السماء. لا يمكننا الجزم بحجم تأثيرها على شخصيته، ولكن ما تنقله لنا المصادر يرسم صورة لامرأة كان لها تأثير واضح في حياة القيصر.
استمر زواجهما لثلاثة عشر عامًا تقريبًا، وأنجبت فيها أناستاسيا لايفان ستة أطفال، وهم: آنا، ماريا، دميتري، إيفان، ييفدوكيا، وفيودور. ولكن حياة القيصرين لم تكن خالية من المآسي، فقد مات عدد من أبنائهما في سن مبكرة، أما اللذان بلغا سن الرشد فهما إيفان إيفانوفيتش وفيودور إيفانوفيتش الذي سيخلف والده في الحكم.
في هذه الفترة، لم يكن إيفان ذلك الرجل الذي سيُخلد في ذاكرة الشعب كأحد أكثر حكام روسيا رعبًا، فقد كان ما يزال في بداية حكمه، وتزوج امرأة وحصل على الاستقرار. وفي السنوات التالية، سيبدأ واحدة من أكثر مراحل حكمه نشاطًا في الإصلاح والتوسعة.
أظن أن أناستاسيا أثرت على حياة إيفان في هذه الفترة بشكل كبير، وربما تكون أحد أبرز المؤثرين على شخصيته، فحتى رهبة الرهيب تسقط أمام معشوقته أناستاسيا.
الإصلاحات | يدٌ تبني قبل أن تهدم
بعد تتويج إيفان قيصرًا على روسيا، وبعدما تزوج من أناستاسيا، بدأت مرحلة جديدة من حياته. فلم يكن اشتهر بعد بيديه المخضبتين بالدم. فاليد التي أصبحت مخضبة بالدم قد كانت تعيد بناء الدولة لتصبح دولة أكثر قوة، ولكن قبل الإصلاح جاءت الكارثة من دون سابق إنذار.
فما حدث في الرابع والعشرين من يونيو سنة 1547 كان شيئًا قد حُفر في أعماق ذاكرة الروسيين، فقد اندلع حريق موسكو الكبير. فقد كان جزء كبير من مباني موسكو مبنيًا من الأخشاب، وهذا ما زاد من سرعة انتشار النار حتى وصلت إلى الكرملين وانفجرت مخازن البارود التي كانت موجودة في بعض أبراجها. كان حريقًا مرعبًا، وكان العارفين يقولون إن هذه النار من صنيعة الأرواح الشريرة، أما الكهنة فقد كانوا يقولون إن هذا عقاب من الرب. سواء كانت روحًا شريرة أو عقابًا ربانيًا، فنحن نستطيع تأكيد شيء واحد فقط وهو أن المشكلة لم تنتهِ بانطفاء النار.
اشتعلت أعين سكان موسكو غضبًا، فقد كانوا يبحثون عن المسؤول عن هذه الكارثة، وانتشرت الاتهامات ضد عائلة غلينسكي، أقارب والدة إيفان. ولكن الأمر لم يتوقف على الغضب، فقد تحول هذا الغضب إلى اضطرابات، فقد تم قتل أحد أفراد العائلة على أيدي المحتجين. ولكن على الجهة الأخرى، فقد أصبح إيفان في موقف لا يُحسد عليه، فقبل أشهر قليلة فقط أصبح قيصرًا على روسيا، والآن يشاهد النيران تأكل عاصمته ويشاهد شعبه الذي بدأ يثور.
مهما كان سوء تأثير الحريق على شخصية إيفان، فإن السنوات التي تلت هذه الحادثة شهدت واحدة من أهم موجات الإصلاح في عهده،ففي هذه الفترة بدأت تتشكل حول إيفان دائرة من المستشارين ورجال الدين، عُرفت لاحقًا باسم " المجلس المختار " إذ كان هدفها تقوية الدولة، وتنظيم إدارتها، والحد من بعض المشكلات التي ورثها إيفان عن الحكام السابقين.
أحد أهم الأحداث هو الحدث الواقع في عام 1549، فقد تم عقد اجتماع عُرف لاحقًا باعتباره البدايات الخاصة بالزيمسكي سوبور، وهو عبارة عن مجلس يضم عددًا من الممثلين الذين يمثلون الطبقات والمؤسسات في مختلف أنحاء الدولة، والتي أصبحت الوسيلة واصبح يستخدمها القيصر للتشاور في بعض قضايا الدولة الكبرى.
وفي عام 1550، صدر سوديبنيك إيفان الرابع، وهو قانون أعاد مراجعة قوانين الدولة. وقد تناول القانون أمورًا مثل قوانين المحاكم والإجراءات القضائية ومواضيع الميراث وأمور أخرى، وساهم في تقوية أجهزة الدولة والحد من بعض الامتيازات القضائية.
امتدت إصلاحات إيفان حتى وصلت إلى الجيش الروسي، ومن أشهر إصلاحاته تأسيس الستريلتسي، وهم جنود مسلحون بالأسلحة النارية ويخدمون الدولة بصورة دائمة، ويُنظر إليهم باعتبارهم من البدايات المهمة للجيش الروسي الدائم، مما منح القيصر قوة عسكرية أكثر ارتباطًا بالدولة نفسها ، وفي عام 1551، وصلت هذه الإصلاحات إلى الكنيسة، فقد تم عقد مجمع المئة فصل من أجل اتخاذ القرارات الخاصة بالكنيسة، وتم تنظيم الشؤون الدينية في الدولة وتنظيم القواعد وتوحيد الممارسات داخل الكنائس في أنحاء روسيا.
هذه الفترة تخلق أمامنا تناقضًا صارخًا بين إيفان ذي اليدين الملطختين بالدماء، وإيفان الذي استخدم اليدين نفسيهما في بناء دولته، رغم أنهما نفس الشخص بالطبع. إصلاحاته هذه لا تغفر له ما سيفعله لاحقًا، ولكن هذا ما يجعل قصته معقدة لدرجة كبيرة، فهو لم يبدأ الحكم بهدم روسيا. فبعد أن أمضى سنوات ينظر إلى داخل دولته محاولًا إصلاحها، رفع القيصر عينيه أخيرًا إلى ما وراء حدودها. وهناك، إلى الشرق، كانت تنتظره فريسته القادمة: قازان.
الفصل الثاني| شراهة القيصر
الفتوحات | فريسة القيصر الأولى
بعد بركات القيصر وإصلاحاته لروسيا، أشاح نظره عنها ليرى جيرانه، ليقرر أيهم سيكون الفريسة الأولى. ووقع الاختيار في هذه اللحظة على خانية قازان، التي كانت إحدى أهم فرائسه.
كانت قازان دولة مسلمة تقع شرق موسكو على نهر الفولغا. كانت العلاقة بينها وبين موسكو مليئة بالصراعات، وبالنسبة لإيفان كان إخضاع قازان سيقضي على أحد أهم أعداء روسيا وسيمهد له التوسع شرقًا.
لكن قازان لم تكن فريسة سهلة، فالقيصر لم يستطع إخضاعها من حملة واحدة، فقد خاض حملات سابقة قبل أن تنجح حملته النهائية. لكن القيصر كان عنيدًا لم يستسلم، بل ظل يستعد بطريقة أفضل للمواجهة التالية.
وفي عام 1552، تحرك القيصر بنفسه مع حملته العسكرية إلى قازان، وقاموا بحصارها، بل وقد استخدموا المدفعيات والأنفاق والمتفجرات لتدمير أجزاء من دفاعات قازان.
لم تصمد قازان طويلًا أمام بطش القيصر، فبعد أسابيع من الحصار، وتحديدًا في الثاني من أكتوبر 1552، اقتحم جيش القيصر قازان لتُلطخ شوارع قازان بالدماء. فالقيصر لم يرحم أحدًا، وما حدث أنه قد تمت إبادة عدد كبير من المدافعين حتى انتهت المقاومة وأصبحت قازان تحت حكم القيصر.
ولم يتوقف بطش القيصر عند احتلال قازان فقط، بل امتد حتى إلى دين أهلها. فقد بدأ إيفان بفرض الوجود المسيحي الأرثوذكسي على المدينة، وبعد تمرد التتار عام 1556، هُدمت مساجد قازان ومُنع التتار من السكن في أجزاء من المدينة ومحيطها. كما بدأت محاولات تحويل المسلمين إلى المسيحية، ولكن القيصر لم يستطع انتزاع الإسلام من قلوب أهل قازان، فقد كانت عمليات التحول محدودة في هذه الفترة.
لم يكن سقوط قازان بالنسبة لإيفان مجرد انتصار عسكري، بل يُعد أحد أعظم إنجازاته في بدايات حكمه، فقد أحكم السيطرة على نهر الفولغا، كما كبر حجم أراضيه، وهذا ما جعله يُبعد النظر أكثر لتتجه عيناه إلى الجنوب حيث تقع أستراخان.
الفتوحات | الفريسة الثانية للقيصر
بعد أن التهم القيصر فريسته الأولى، لم تكن تلك الفريسة كافية لإشباعه، وهذا ما جعله يبحث عن فريسة أخرى. الفريسة التي وقع عليها الاختيار كانت خانية أستراخان.
كانت خانية أستراخان مسلمة وتقع على مصب نهر الفولغا، وهذا ما جعلها فريسة دسمة للقيصر. فإذا حصل عليها، سيتوسع نفوذه على نهر الفولغا، وهذا ما سيفتح لروسيا الطريق نحو بحر قزوين والجنوب.
لكن القيصر لم يرد التهام فريسته من اللقاء الأول، ففي عام 1554 استطاع الروس دخولها والتدخل في شؤونها، ووضع درويش علي على عرشها، والذي كان أحد الموالين لموسكو ويدفع جزية للقيصر. ولكن درويش علي لم يستمر طويلًا في ولائه لموسكو، فقد بدأ يلعب بذيله ويتقرب من خانية القرم والدولة العثمانية. وبالنسبة لإيفان، وجود شخص لا يتبع الطريق الذي رسمه له هو وجود لا مغزى له.
والمثير للسخرية هو ما حدث في 1556، حيث إن إيفان أرسل حملته العسكرية ولم يحتج إلى حصار ضخم كما حدث مع قازان، بل انتهت الأمور بسلاسة لأن درويش علي قام بالهروب، وهذا ما جعل إيفان يحصل على خانية أستراخان ويضمها إلى دولته.
بعد الوجبة الدسمة التي حصل عليها إيفان، زادت شراهته ليدير رأسه نحو الغرب ليجد فريسته الثالثة.
الفتوحات | الفريسة الثالثة للقيصر
بعد انتهاء القيصر من صيده لفريستين، اجتاح الجشع رأسه، فلم يكتفِ بما يملك وبدأ البحث عن الهدف التالي. وهذه المرة وجّه رأسه نحو الغرب، وتحديدًا نحو ليفونيا. أهداف القيصر كانت واضحة، فقد أراد الوصول إلى بحر البلطيق والحصول على منفذ يسمح لروسيا بتوسيع تجارتها وتسهيل اتصالها بأوروبا. وكانت الأراضي الليفونية، التي تشمل أجزاء من إستونيا ولاتفيا الحاليتين، تقف بين دولته وبين ذلك الطموح.
لم يتعب القيصر في إيجاد سبب للحرب، فقد كانت بين روسيا وليفونيا خلافات سابقة حول جزية دوربت التي طالبت موسكو ليفونيا بدفعها. وفي عام 1558، اندلعت الحرب بين روسيا وليفونيا. وكما حدث مع فرائسه السابقة، كانت البداية في صالح القيصر، فسقطت مدن مهمة مثل نارفا ودوربت في يد الروس، بل إن الضربات الروسية ساهمت في انهيار الاتحاد الليفوني.
لكن هذه المرة لم تكن المعركة واحدًا ضد واحد، فقد جذب ضعف ليفونيا أنظار القوى المحيطة بها، ودخلت ليتوانيا وبولندا والسويد والدنمارك في الصراع، وكل دولة منها تبحث عن مصالحها ونصيبها من الأراضي الليفونية.
ولكن الحرب بدأت تطول، وما ظنه القيصر فريسة سهلة بدأ يتحول شيئًا فشيئًا إلى حرب أكبر مما توقع. وبدأت الحرب تستنزف جنود إيفان وأموال دولته، وأصبحت روسيا تواجه حربًا قد تمتد لسنوات عوضًا عن حرب سريعة.
والأسوأ من كل هذا هو الخبر الفاجع الذي وصل إلى مسامع القيصر، ففي عام 1560 مرضت المرأة التي أسرت قلبه أناستاسيا.
وفاة أناستاسيا | رحيلها مع قلب القيصر
في أوج هذه الحرب الطاحنة، تلقى إيفان ضربة لم تأتِ هذه المرة من ساحة المعركة، ففي السابع من أغسطس عام 1560 توفيت زوجته أناستاسيا. رفض إيفان تقبل موتها، فلم يصدق أنها ماتت ميتة طبيعية، فقد كان مؤمنًا أنه قد تم تسميمها. لم يحتج إلى أي أدلة، فهو في قرارة نفسه قد صدق وآمن أن زوجته الحبيبة قد قتلت، وهذا ما أثر على شخصيته تأثيرًا عميقًا، وربما نستطيع تسمية هذه المرحلة "المرحلة التي بدأت بها رهبة الرهيب".
الفصل الثالث | رهبة الرهيب
جنون الشك | من قتل أناستاسيا؟
بعد موت ملاك القيصر أناستاسيا، كان السؤال الوحيد الذي يجول في رأسه هو: من قتلها؟ فقد كان مقتنعًا أنها قتلت، وهذا ما أدخله في مرحلة شك جنونية لم يسلم منها أحد، فكان أحد أبرز المتضررين من هذه المرحلة أليكسي أداشيف والقس سيلفستر. فقد تم إبعاد سيلفستر عن البلاط، بينما سقط أداشيف من مكانته ومات في عام 1561.
وما غذى شكه كان في عام 1564 حين إلى دوقية ليتوانيا الكبرى، التي كانت روسيا تحاربها آنذاك، «ثم تبادل الرسائل مع إيفان، واتهم كوربسكي القيصر فيها بالطغيان، بينما رد إيفان باتهامه بالخيانة والدفاع عن سلطته، وهذا ما عزز لديه الشك وعدم الثقة. فقد عاش بين مجموعة من الناس يحاولون أخذ سلطته، والآن أحد رجاله أصبح مواليًا لعدوه. وما حدث في 1564 كان صادمًا للجميع، فقد قرر إيفان الخروج من موسكو والتخلي عن العرش، واتهم البويار بالخيانة. وهذا ما أخاف شعب موسكو، وطالب رجال الدولة والكنيسة بالعودة. وافق إيفان على العودة بشروط منحته حرية واسعة في معاقبة من يعتبرهم خونة ومصادرة ممتلكاتهم، وهذا ما مهّد للمرحلة الجديدة وظهور الأوبريتشنينا.
الأوبريتشنينا | كلاب القيصر
تخيل عزيزي القارئ أنك تمشي في الشارع وفجأة، وفي غفلة، تجد رجالًا يرتدون ملابس سوداء، يحملون معهم رؤوس كلاب ومكانس.هؤلاء الرجال هم الأوبريتشنكي، رجال الأوبريتشنينا.
ففي عام 1565، وبعد عودة إيفان، أنشأ نظامًا عُرف باسم "الأوبريتشنينا"، وجمع حوله رجالًا عُرفوا باسم "الأوبريتشنكي"، يدينون له بالولاء ويخضعون لسلطته المباشرة بدأت "كلاب إيفان" عملها؛ صودرت أراضي بعض البويار، وهُجّرت عائلات من ممتلكاتها، وبدأت الاعتقالات والإعدامات تطال من يشتبه إيفان في خيانتهم. وهكذا تحولت شكوك رجل واحد إلى نظام كامل يمتلك الرجال والسلطة لمعاقبة كل من يراه خائنًا.
ولكن ما فعلته "كلاب إيفان" حينها لا شيء مقارنة بما سيحدث لاحقًا. دعني أسألك: ما حجم الضرر الذي سيحدث إذا شك رجل في مدينة كاملة؟
مذبحة نوفغورود | عندما شك القيصر بمدينة كاملة
إذًا ما الذي سيحدث إذا شك رجل واحد في مدينة كاملة؟ الإجابة: كارثة حقيقية.
في عام 1569، وصلت إلى إيفان أخبار بأن نوفغورود تخطط لخيانته والانضمام إلى بولندا وليتوانيا. حتى اليوم، لا نملك دليلًا قاطعًا على صحة هذا الكلام، ولكن بالنسبة لإيفان، كان الشك وحده محركًا كافيًا للتحرك.
وفي شتاء 1570، تحرك إيفان مع كلابه إلى نوفغورود، وما حدث كان شيئًا لا يمكن تصديقه من قبل أي إنسان، فقد كان يعذب الجميع بدون استثناء. قام بإغراق المدنيين، ووضعهم في الزيت وقليهم، إعدامات وتعذيب ونهب. استمر هذا الرعب لأسابيع، والجزء الموحش أن إيفان كان يحضر جلسات التعذيب بنفسه ويضحك. لا نملك أرقامًا دقيقة لعدد الوفيات، لكننا متأكدون من أن الأحياء من هذه الحادثة بعد الرعب الذي عاشوه قد أصبحت أرواحهم كالأموات.
وهذا قد يكون جواب سؤال: لأي درجة كان إيفان الرهيب رهيبًا؟
حريق موسكو | أين كلاب القيصر؟
بعد تحويل نوفغورود إلى بحر من الدماء، وفي عام 1571 تحديدًا، قاد دولت كراي الأول، خان القرم، بجيشه نحو موسكو. والمثير للسخرية أن كلاب القيصر لم يستطيعوا إيقافه، فالأوبريتشنيكي الذين أرهبوا الروس لم يستطيعوا إيقاف جيش القرم من الوصول إلى قلب روسيا.
هرب إيفان تاركًا موسكو خلفه عندما شعر أن الوضع قد ساء. وصل جيش دولت كراي إلى موسكو، واندلعت النيران في أنحاء موسكو، فتحولت موسكو إلى جحيم على الأرض، فقد تحولت معظم أجزائها إلى رماد. لكن خان القرم لم يكتفِ بذلك، فعاد في العام التالي 1572 بجيش جديد، إلا أن النتيجة هذه المرة اختلفت. فقد تمكن الروس من هزيمته في معركة مولودي وإيقاف محاولته الجديدة لغزو روسيا.
لكن المثير للسخرية أن كلاب القيصر أنفسهم لم يسلموا من أنياب سيدهم، فقد انقلب إيفان على عدد من كبار رجال الأوبريتشنينا، وسقط بعضهم في الإعدامات والتصفيات التي كانوا يومًا ينفذونها بحق الآخرين. وفي عام 1572 انتهت الأوبريتشنينا رسميًا، وكأن الدنيا دارت ليذوق بعض المعذِّبين شيئًا من المصير الذي صنعوه لغيرهم. وهكذا انتهت قصة كلاب القيصر.
الحرب الليفونية | عندما عضّت الفريسة القيصر
هل تتذكر، عزيزي القارئ، الفريسة الثالثة؟ أتمنى ألا تكون قد نسيتها. نعم، لم تسقط. يبدو أن الرجل الروسي قد دخل حربًا مع دب قطبي. فالحرب التي بدأت عام 1558 بانتصارات روسية أصبحت حرب استنزاف متعبة. ففي عام 1579، خسر إيفان بولوتسك، المدينة التي كسبها في بداية الحرب، وفي عام 1581 استولت السويد على نارفا.
وهكذا بدأت الفريسة تنهش الصياد شيئًا فشيئًا. وفي عام 1582، عقد هدنة مع بولندا وليتوانيا، وتبعها في عام 1583 بهدنة مع السويد. وخسر معظم المكاسب التي حققها في بداية الحرب، وفشل في الحصول على المنفذ الدائم إلى بحر البلطيق الذي بدأ الحرب من أجله.
هذه المرة عاد الصياد جائعًا.
موت الابن | يد القيصر تصل إلى ابنه
دعونا نرجع قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا سنة 1581. في هذه السنة، حدث ما جعل القيصر خالدًا إلى اليوم، وكل هذا يعود إلى لوحة واحدة. لكن ما قصة هذه اللوحة؟
رأى القيصر زوجة ابنه الحامل، يلينا شيريميتيفا، ترتدي ملابس غير محتشمة من وجهة نظره، وذلك ما أثار غضبه. فقام بضربها ضربًا مبرحًا حتى أجهضت حملها وخسر القيصر حفيده. عندما وصل الخبر إلى ابنه، غضب الابن. وعند مواجهته لأبيه، غضب الأب لدرجة أنه أمسك بعصا حديدية وبدأ يضربه في رأسه بشدة، ضربًا مبرحًا. بعد أن أدرك القيصر فاجعة فعلته، لم يقده شكه للجنون فقط، بل جعله يخسر حفيده وابنه، حاول القيصر محاولات بائسة بأن يوقف النزيف، لكن رغم ذلك لم ينجُ الابن بعدما حدث له.
النهاية | حين جاء دور القيصر
بعد سنوات طويلة قضاها إيفان في اصطياد أعدائه، أصبح الصياد هذه المرة فريسة للموت. ففي سنواته الأخيرة تدهورت صحته، وتروي قصة شهيرة أنه جمع عشرات المنجمين والعرافين، فتنبؤوا بموته في الثامن عشر من مارس عام 1584. وعندما حل اليوم وبقي حيًا، قيل إنه هددهم بالموت إن لم تتحقق نبوءتهم، لكنهم لم يحتاجوا للقلق طويلًا؛ ففي اليوم نفسه، وبينما كان إيفان يستعد للعب الشطرنج، سقط وفارق الحياة عن عمر ناهز الثالثة والخمسين. وهكذا، مهما كان الصياد رهيبًا، سيأتي يوم يصبح فيه فريسة للموت.
انتهت قصة إيفان، ولكن ما قصة لوحة " إيفان الرهيب يقتل ابنه "؟ وما الرسائل والأسرار التي حاول الفنان الروسي إيليا ريبين إيصالها من خلال لوحته؟ هذا ما سنعرفه قريبًا، إن شاء الله، عندما نقوم بتحليل لوحة " إيفان الرهيب وابنه إيفان ".


















ماشاء الله، مقال راائع، أرفع لك القبعة احتراما لدقة معلوماتك وتسلسل الاحداث ومرونة شرحك، بارك الله لك فيك
عيني هذا تخبل من ماتت مرته