ماذا ستفعل لو استيقظت من النوم ووجدت أن أنفك مفقود من وجهك، أو الأسوأ لو أنك استيقظت من النوم ووجدت نفسك قد تحولت إلى حشرة عملاقة؟ هاتان الافتتاحيتان هما من أشهر الافتتاحيات في الأدب العالمي. الافتتاحية الأولى ترجع للكاتب الذي كتب بالروسية، نيكولاي غوغول، أما الثانية فترجع للكاتب الذي كتب بالألمانية، فرانتس كافكا. إذن، ما أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟ وكيف حولا اللامعقول إلى فن يُقرأ إلى يومنا هذا؟
البيئة :
غوغول:
ولد نيكولاي غوغول في 1 أبريل 1809، في قرية سوروشينتسي بأوكرانيا الحالية ، كان ينتمي إلى عائلة من ملاك الأراضي متوسطي الحال، وكان والده يكتب المسرحيات الكوميدية باللغة الأوكرانية، وهو ما غرس فيه حب الأدب والمسرح منذ صغره ، نشأ غوغول في الريف الأوكراني بين الحكايات الشعبية والأساطير والفولكلور، وهو أثرٌ يظهر بوضوح في أعماله الأولى ، وعلى الرغم من أن والده كان يكتب بالأوكرانية، فإن غوغول كتب معظم أعماله باللغة الروسية، ليصبح أحد أبرز أعلام الأدب الروسي.
كافكا :
أما في الكفة الأخرى، فقد وُلد فرانتس كافكا في 3 يوليو 1883 بمدينة براغ، التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية ، وُلد في أسرة يهودية ناطقة بالألمانية، وكان والده، هيرمان كافكا، على النقيض من والد غوغول، إذ كان رجلًا صارمًا شق طريقه من الفقر إلى الطبقة المتوسطة، ولذلك كان يطمح إلى أن يسلك ابنه طريقًا عمليًا، وكان ينظر إلى اهتمامه بالأدب على أنه مضيعة للوقت ، كما أن انتماء كافكا إلى أقلية تتحدث الألمانية في براغ جعله يشعر بالاغتراب والعزلة. وبعد تخرجه في كلية الحقوق، عمل في شركة للتأمين ضد حوادث العمل، وقد تركت علاقته المعقدة بوالده، إلى جانب طبيعة عمله البيروقراطية، أثرًا واضحًا في معظم أعماله الأدبية.
الأسلوب الكتابي:
ما يلفتني في غوغول وكافكا ليس وجود الأحداث الغريبة، بل ما يريد كل واحد منهما قوله من خلالها. فالحادثة نفسها ليست الهدف، وإنما المعنى الذي يقف خلفها.
غوغول:
أسلوب غوغول الكتابي يعتمد على السخرية بشكل كبير، فهو يجعلنا نضحك على أمور لا يُفترض بنا الضحك عليها ، ومن أبرز الأمثلة رواية "الأنف" حيث يقول بعض النقاد إن غوغول كتب هذه الرواية بالكامل من أجل السخرية من الناس الذين يحاولون البحث عن معنى خلف الروايات ، هذه اللمسة الكوميدية لم تفارقنا في رواية "المعطف" أيضًا، حيث نجد بطل الرواية أحيانًا يقوم بتصرفات مضحكة رغم جدية الموقف.
كافكا:
تشير مذكرات كافكا ورسائله إلى أنه قرأ أعمال غوغول وأعجب بها ، وربما كان إعجابه بغوغول أحد العوامل التي جعلته قريبًا من هذا النوع من الأدب، وإن كان قد طوره في اتجاه مختلف ، ولكن على نقيض غوغول، استخدم كافكا الغرابة بطريقة عبثية، فنحن لا نضحك عند قراءة كافكا كما نضحك عند قراءة غوغول. فالغرابة عند كافكا ليست أداة لإضحاك الناس، بل هي أداة لإيصال معانٍ عميقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك روايات مثل "فنان الجوع" و"التحول" وأيضًا "في مستعمرة العقاب".
التعامل مع السلطة:
وأثناء قراءتي لأعمالهما، لاحظت أن موضوع السلطة يتكرر كثيرًا، لكن كل واحد منهما نظر إليها بطريقة مختلفة.
تعامل غوغول :
اختار غوغول السخرية من السلطة، فنرى في أعمال مثل مسرحية "المفتش العام" أن فساد السلطة جعلهم أضحوكة في مسرحيته، وأيضًا في رواية مثل "المعطف" حيث جعل من الناس ذوي السلطة العليا مجرد أناس يهتمون بالمظهر لا غير، وهذا ما جعلهم نكتة وأضحوكة أغلب الوقت من الرواية.
تعامل كافكا :
على عكس غوغول، كافكا صوّر الإنسان عاجزًا أمام السلطة، فهي قوة غامضة يصعب فهمها أو مقاومتها، فهو لم يواجهها أو يسخر منها بل نرى أن السلطة شيء يعجز الإنسان عن إيقافه أو التعامل معه، فنرى في أعماله شيئًا بارزًا مثل رواية "طبيب ريفي" ورواية "في مستعمرة العقاب" وأيضًا في رواية " المحكمة " أن النظام شيء موجود ولا يمكن كسره، وقد يموت شخص يحمل الفكرة لكن لن تموت الفكرة نفسها.
الموت :
غوغول:
توفي نيكولاي غوغول في 4 مارس 1852 عن عمر 42 عامًا بعد إصابته بأزمة دينية حادة في أواخر عمره، بل إنه دخل في صيام قاسٍ وامتنع عن الطعام والشراب إلى حد كبير، رافضًا نصائح الأطباء. هذه الأزمة الدينية والندم الذي أصابه قاده إلى حرق مخطوطات الجزء الثاني من رواية "الأنفس الميتة"، والتي تعتبر أكبر خسارة في الأدب الروسي ، ورغم ذلك، فقد نُشرت قصص وخرافات حول موته، حيث يقال إنه دفن حيًا، ولكن ليس هناك أي دليل يثبت ذلك.
كافكا:
توفي فرانتس كافكا في 3 يونيو 1924، عن عمر 40 عامًا، بسبب مرض السل. بدأت إصابته بالسل عام 1917، واستمر المرض في التقدم لسنوات. وفي أواخر حياته، انتقل المرض إلى الحنجرة، فأصبح البلع مؤلمًا للغاية، حتى لم يعد قادرًا على تناول الطعام أو الشراب بشكل كافٍ. ومع عدم وجود علاج فعال للسل في ذلك الوقت، تدهورت حالته تدريجيًا. وربما الحدث الأشهر والمرتبط بوفاته هو أنه طلب من صديقه ماكس حرق جميع أعماله لأنه كان يظن أنها مجرد قمامة، ولكن صديقه رفض حرقها بل وقام بنشرها، وهذا ما جعله حيًا إلى يومنا هذا.
ومن الغريب أن نهاية الكاتبين تكشف تشابهًا آخر بينهما فا في نهاية كافكا وغوغول، سنرى تشابهًا بين الاثنين ، فأحد أسباب حرق غوغول للجزء الثاني من رواية "الأنفس الميتة" أنها لم تصل إلى المعايير الكتابية من وجهة نظره، وهذا هو السبب نفسه الذي جعل كافكا يريد حرق أعماله لأنه لم يكن راضيًا عن كثير منها، وكان شديد القسوة في الحكم على نفسه.
الارث الادبي :
غوغول:
ترك غوغول إرثًا عظيمًا في الأدب الروسي، حيث يُعد من أوائل الناس الذين جمعوا بين السخرية والعمق في القصة، وهذا ما مهّد الطريق ألهم كثيرًا من الكتّاب الروس ، وهذا الشيء يثبته دوستويفسكي في عبارة منسوبة له: "جميعنا خرجنا من معطف غوغول"، دلالة على رواية "المعطف" كما يُعد أحد الآباء المؤسسين للواقعية الروسية، رغم استخدامه عناصر غرائبية وساخرة .
كافكا:
قد خلف كافكا إرثًا أعظم من الإرث الأدبي فقط، بل تجاوز إرثه الأدب الألماني ووصل إلى الأدب العالمي والفلسفة وعلم النفس، وأصبح اسمه مرادفًا للشعور بالاغتراب والبيروقراطية والعبث، حتى ظهر مصطلح "كافكاوي" (Kafkaesque) لوصف المواقف التي يشعر فيها الإنسان بالعجز أمام أنظمة غامضة وغير مفهومة.
بعد قراءة أعمالهما، خرجت بانطباع بسيط: غوغول جعلني أضحك على الواقع، أما كافكا فجعلني أخشاه. ومع ذلك، فقد أثبت الاثنان أن أغرب الأفكار قد تكون أصدق طريقة للحديث عن الإنسان.




















ننتظر مقارنات بين كتاب أخرين من فظلك .
شكراا على هذا المقال.