قد يظن البعض أن الحرب لا تخلّف سوى معركةٍ تدور بين الجيوش، لكن هناك معركةً أخرى أشد هدوءًا وأعمق أثرًا، وهي المعركة التي تدور داخل النفس البشرية. وهذا ما حاول الفنان البريطاني جيمس سانت تجسيده في لوحته " الشجاعة، والقلق، واليأس: يشاهدن المعركة " والتي رسمها في عام 1850 تقريبا .
عندما ترى اللوحة للمرة الأولى، سترى ثلاث نساء مختبئات بين الصخور يشاهدن معركة لا نستطيع مشاهدتها. وهذه إحدى أهداف اللوحة: أن تبعد أنظارنا عن الحرب الواقعة خلف الصخور؛ لتجعلنا نركز على ما يدور في داخل النفس البشرية من صراعات.
تحليل الشخصيات :
الشجاعة:
تُعد الشجاعة أكثر الشخصيات بروزًا وحركة في هذه اللوحة ، فجسدها يميل إلى الأمام، وكأنها على أهبة الاستعداد. تمد يدها اليسرى نحو الشخصية التي تجسد اليأس، والتي يبدو جسدها مائلًا إلى الجانب، فتقبض عليها بقوة وكأنها تمنعها من السقوط. أما يدها اليمنى، فتقبض بإحكام على خنجر، في مشهد يوحي بأنها قد حسمت أمرها، وكأنها تقول: " إذا اقترب الخطر، فسأتصرف " .
ثم انظر إلى عينيها فستجد فيهما أثرًا من الخوف، لكنه خوف لم يشل إرادتها ولم يدفعها إلى التراجع. وهنا تتجلى إحدى أجمل رسائل اللوحة فكأن الفنان يقول: " الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على مواجهته " .
القلق :
تُعد شخصية القلق أقل الشخصيات بروزًا في المشهد. نراها تقبض بيدها اليسرى على أعلى صدرها أو رقبتها، وهي من أشهر الإشارات في الفن للتعبير عن الاضطراب النفسي والخوف، وكأنها تحاول تهدئة نفسها والسيطرة على مشاعرها. أما يدها اليمنى، فتمتد نحو الخارج في محاولة لرؤية ما يجري، وكأنها تراقب المعركة وهي تتساءل في داخلها: هل انتهى الأمر؟
ويزيد الفنان هذا الشعور تعقيدًا حين يجعل جزءًا من وجهها غارقًا في الظل. ويمكن قراءة هذه الإضاءة على أنها تعكس حالتها النفسية فهي ليست في وضوح الشجاعة التي حسمت قرارها، ولا في ظلمة اليأس الذي استسلم، بل تقف بينهما في منطقة رمادية، تتأرجح بين الرغبة في المواجهة والخوف من عواقبها.
اليأس :
نستطيع أن نرى أن اليأس أكثر الشخصيات انكسارًا في اللوحة، فجسدها المائل، ورأسها المنخفض، وكتفاها المرتخيان، كلها توحي بأنها لم تعد تملك القوة حتى لحمل جسدها بنفسها. وعلى النقيض من الشجاعة والقلق، لا تنظر اليأس إلى المعركة، ولا تحاول معرفة ما يحدث، وكأنها قالت في نفسها منذ زمن: " لقد انتهى الأمر ".
ثم انظر إلى وجهها ،فهي ليست خائفة كالقلق، ولا تواجه الخوف مثل الشجاعة، بل تبدو وكأنها حسمت النتيجة في داخلها قبل أن تُحسم في الواقع. ولذلك ترتسم على ملامحها راحة وهدوء غريبان. غير أن هذا الهدوء ليس هدوء الطمأنينة، بل هدوء الاستسلام ، ذلك الهدوء الذي يأتي عندما يتوقف الإنسان عن المقاومة، ويقتنع بأن كل شيء قد انتهى.
تحليل الملابس:
في لوحة "الشجاعة، والقلق، واليأس: يشاهدن المعركة" قد تحمل ملابس الشخصيات دلالة أيضًا.
أبرز الملابس في هذه اللوحة هي ملابس الشجاعة واليأس، ونستطيع رؤية الفرق بين الشخصيتين من خلال ملابسهما.
ملابس الشجاعة :
تستطيع رؤية أن ملابس الشجاعة قليلة وليست مبهرجة، وهذه الملابس تجعل الحركة أسهل، وهو ما يعزز قراءة الشخصية بوصفها مستعدة للحركة والمواجهة إلى دلالة الخنجر ووضعية الجسم بحزم القرار، لأنه لو كانت ملابس الشجاعة ثقيلة ومبهرجة لصعبت الحركة بهذه الملابس.
ملابس اليأس :
على النقيض من الشجاعة، تبدو اليأس أكثر الشخصيات زينةً في هذا المشهد ، فما تزال تحتفظ بحليها وغطاء رأسها، بينما تضم الوشاح الملتف حولها ، على الرغم من أنها تكاد تعجز عن حمل جسدها. وتمنح هذه العناصر هيئتها إحساسًا بالثقل، فينسجم ذلك مع جسدها المنهار وحركتها البطيئة. وكأن الفنان أراد أن يجعل حتى ملابسها تشارك في التعبير عن عجزها، فلا يبدو الاستسلام ظاهرًا في ملامحها فحسب، بل في هيئتها كلها.
تحليل الخلفية :
الخلفية أو المسرح الذي يقام عليه هذا المشهد المسرحي، رغم بساطته، إلا أن له الدور الأكثر أهمية في اللوحة. نستطيع رؤية أنه مجرد صخور، ولكن هذه الصخور تحجب عنا الحرب التي تقام في الخارج، لنركز على الحرب النفسية التي تقع في الداخل. كما أن الظلام الموجود في الخلفية لا يمنحنا أي معلومة سوى عن نتيجة المعركة أو عن اقتراب الخطر، وهذا ما يجعل الخطر مجهولًا، وكأن الفنان أراد أن يوصل لنا رسالة: ""وكأن اللوحة توحي بأن الخطر المجهول أشد رهبة من الخطر الذي نراه بأعيننا ".
الرسالة :
لم يرد جيمس سانت رسم معركة بين جيشين، بل أرادنا أن نركز على الحرب التي تحدث داخل الإنسان عند اقتراب الخطر. تتصادم الشجاعة، وهي التي تدفعنا لمواجهة مخاوفنا، والقلق الذي يجعلنا متجمدين وعالقين بين المواجهة أو الاستسلام، أو اليأس الذي يقنعنا بأن الأمر قد انتهى بالفعل.
وبهذه الشخصيات الثلاثة، يذكرنا الفنان بأن الحرب الحقيقية تحدث بالداخل، وقد يكون النصر الحقيقي هو النصر على اليأس قبل الانتصار على العدو.
قد تنتهي الحروب بين الجيوش وتظل الحروب في الأنفس مستمرة، وهذا ما يجعلها صعبة. أظن أن جيمس سانت نجح في إيصال هذه الفكرة في لوحته.














ابدعت ماشاء الله، حللت الصورة جيدا. وذكرت اشياء احنا نشوفها بسطحية لكن في الحقيقة كل شيء ليه معنى يدل عليه
واصلا احسنت
جميل! و أكثر ما أثار إعجابي هو رمزية الملابس و كيف أن أمرا بسيطا قد لا نلتفت إليه البتة قد يحمل في داخله عمقا و معنى أكبر مما نتوقع ، يبدو أنه لا يجدر بنا سوى الإشادة بعبقرية الفنانين!