اهدؤوا واستمعوا، جميعنا نستطيع سماع صوت الحشد الموجود في هذه اللوحة، ولكن الصوت الطاغي فيها ليس صوت الحشد ولا صوت الدعاء، بل زئير الأسد. إذًا، ما الذي حاول الفنان الفرنسي جان ليون جيروم أن يوصله من خلال رسم هذا المشهد؟
عند مرورنا على اللوحة للمرة الأولى، سنرى مجموعة من الناس تجتمع حول رجل عجوز، بينما يطغى الأسد على المشهد ليأخذ دور المايسترو. ولكن، ما سر آثار العجلات التي تملأ أرضية الساحة؟
تحليل الشخصيات :
الأسد :
انظروا إلى هذا الأسد المهيب، ملامحه وطريقة وقفته توحي لنا أنه هادئ، فلا توحي وضعية جسده بأنه مستعد للانقضاض. إنه يراقب بفضول ما يفعله هؤلاء البشر، فلا يبدو أنه ينوي الانسحاب، وفي الوقت نفسه لا تظهر عليه رغبة في الانقضاض عليهم فورًا.
المفترسون الآخرون:
تمعنوا في ملامحهم، إنهم لا يتدافعون فيما بينهم، بل يشاهدون المايسترو وهو يقود هذا العرض. وكأنهم ينتظرون الأسد ليبدأ الهجوم، ثم يتبعون هجومه بهجومهم، حتى لا يبقى أحد من البشر الموجودين في الساحة.
البواب :
نرى الرجل ذا الوشاح الأحمر وهو ممسك بسلاسل، يبدو أنه هو من فتح الباب لدخول هذه الحيوانات المفترسة. نراه مختبئًا خلف الحائط وكأنه لا يريد من الحيوانات ملاحظة وجوده.
العجوز :
لا أملك وصفًا مناسبًا لهذا العجوز، فهو ليس المايسترو الخاص بالعرض، ورغم ذلك حضوره صارخ وكأنه يصرخ لنلاحظه. على الرغم من حضور الأسد المهيب، يقف بين هذا الحشد من الناس باسطًا ذراعيه، كاشفًا صدره، وقد ترمز هذه الوضعية للاستسلام، فوضعيته ليست وضعية قتال أو هرب، إنها وضعية تقبل. فبينما تنبعث من الأسد رائحة الموت، تنبعث من الرجل العجوز رائحة الإيمان.
الحشد :
أحد أبطال هذا العرض هو الحشد المتجمع حول العجوز. تمعنوا قليلًا فيه ، يوجد أطفال، ورجال، ونساء، أناس في عز شبابهم، وأناس يعدّون الأيام المتبقية لهم في هذه الحياة. تتجمع فئات مجتمعية مختلفة في مشهد واحد، وكأن جان ليون جيروم يحاول إيصال رسالة لنا: الموت لا يعرف كبيرًا أو صغيرًا، فهو لا يهتم بمن يقف أمامه ولا كم يبلغ من العمر.
الحارق :
من بين الجمهور المتفرج، تمتد عصا خشبية في آخرها نيران. لا نعلم من هو الشخص الذي يمد العصا، ولا نعلم شكله، لكننا نعلم أنه يرتدي ملابس حمراء كملابس البواب. ربما استخدم جان ليون جيروم اللون الأحمر لتمييز العمال في المكان.
المصلوبون:
ربما هذه من أقسى التفاصيل التي أُضيفت لاحقًا. وسأستغل هذه الفرصة لأذكر أن الرسام جان ليون جيروم كُلّف باللوحة عام 1863، ولم ينتهِ منها ويسلّمها إلا عام 1883، أي إنه أمضى نحو عشرين عامًا يعمل عليها. كما ذكر في رسالة إلى المشتري أنه أعاد رسمها بالكامل ثلاث مرات، مغيرًا بعض تفاصيلها وتكوينها مع محافظته على الفكرة الأولى. والمثير للاهتمام أن المصلوبين المحترقين لا يظهرون في إحدى النسخ المبكرة من العمل، ولذلك يُرجح أنهم كانوا من التفاصيل التي أضافها جيروم لاحقًا.
وبكل أمانة، وجودهم مؤلم؛ فنحن نرى أناسًا مصلوبين قد تفحمت أجساد بعضهم، حتى أصبح السواد طاغيًا عليها، بينما لا يزال بعضهم الآخر مشتعلًا. واختلاف مراحل الاحتراق ليس عشوائيًا ، وكأن الحارق يتحرك بينهم ويشعلهم واحدًا تلو الآخر، ولذلك نرى كل واحد منهم في مرحلة مختلفة من هذا المصير.
وهذه التفصيلة تخلق لنا تناظرًا بصريًا مرعبًا؛ فبينما نرى الحشد ينتظر موته بالدعاء، نرى المصلوبين وكأنهم يتمنون الموت الآن بدلًا من استمرار كل هذا العذاب.
تحليل الملابس :
البواب :
نرى البواب غارقًا في ردائه الأحمر، مخبئًا جزءًا من وجهه فيه، وربما يفعل ذلك لكي يخفي هويته عن الحشد. لكن المثير للاهتمام أنه يغطي عينه اليسرى المطلة على الحشد، بينما تظل عينه المطلة على المفترسين مكشوفة، وكأنه يحاول ألّا يرى عذاب المصلوبين أو افتراس الداعين. وقد يرمز رداؤه الأحمر إلى الدم، فنحن نعلم أن هذه الساحة بعد قليل ستصبح بحيرة من الدماء.
الحارق :
يطغى اللون الأحمر على ملابس الحارق أيضًا، وربما تكون هذه إشارة إلى أن جيروم جعل الأحمر لونًا يربط بين منفذي الإعدام في المشهد؛ لكن لا يمكننا الجزم بذلك.
العجوز :
ملابسه بيضاء، واللون الأبيض غالبًا ما يرتبط بالنقاء والطهارة، وربما اختاره جيروم هنا ليعكس دور العجوز في المشهد. ففي وسط كل هذه الفوضى، وقف بين الحشد ليقود صلاتهم الأخيرة. هو ليس نورًا ينير الحشد، بل مرشد يحاول أن يذكّرهم بالدعاء في اللحظات الأخيرة من حياتهم.
تحليل العناصر :
الخلفية :
هذا المسرح الذي يُقام فيه العرض ليس مسرحًا خياليًا، إنه السيرك العظيم. وهذا مكان كانت تُقام فيه سباقات العربات سابقًا، وذلك يفسر وجود آثار العربات تحت أقدام الأسد، كما يفسر كثرة الحشد في المكان، فمكان الإعدام هذا هو في الأساس مكان تُقام فيه العروض.
المسافات :
المسافات الكثيرة في اللوحة تعلمنا أشياء كثيرة ، فمثلًا، رغم المسافة الكبيرة بين الأسد والحشد، نشعر بالضيق وكأن الأسد ملتصق بهم، فهذه المسافة ليست سوى وقت يفصلهم عن مصيرهم.
كما نستطيع رؤية المسافات بين المصلوبين ، فبينما أتى دور البعض واحترق، لا يزال البعض الآخر ينتظر دوره، مدركًا أن النار التي يراها تلتهم من أمامه ستصل إليه في النهاية.
رغم المسافات التي رسمها جان ليون جيروم، نجح في إيصال شعورٍ خانق بالضيق إلينا. فمن وجهة نظري، تُعد لوحة " الصلاة الأخيرة للشهداء المسيحيين " لوحة غير مريحة، فنحن لا نرى فيها الموت فحسب، بل نرى تقبّله أيضًا. وبينما ينتظر الجميع اللحظة التي سينقض فيها الأسد، يقف الشهداء في هدوء وكأنهم تقبّلوا أن المسافة بينهم وبين الموت لم تعد سوى مسألة وقت.






















مبدع كما العادة 👏
تحليل لوحة جديده😈🙏