" يا صاحبيَّ دنا الأصيلُ فسيرا غلبَ الفرزدقُ في الهجاءِ جريرا"
كان جرير والفرزدق يتهجّيان بعضهما بعضًا لسنوات طويلة، وكان كل منهما يحاول جذب شعراء القبائل إلى صفه، والسبب وراء ذلك يرجع إلى أن شهادة شاعر معروف إلى صف أحدهما تُعتبر انتصارًا معنويًا له.
المهم كان هناك صديق للفرزدق يدعى عرادة النميري. هذا الرجل عندما أتى الراعي النميري إلى البصرة، وقد كان شاعرًا مشهورًا وقتها، قام عرادة بإحضار الطعام والشراب إلى الراعي النميري وبدأ يلمّح له بما معناه: "قل يا أيها الراعي النميري من الأفضل في الهيجاء: جرير أم الفرزدق؟"
في البداية، الراعي لم يكن متدخلًا بشكل كبير في الصراع بين جرير والفرزدق، لكن عرادة ظل يزن على رأسه حتى قال: يا صاحبيَّ دنا الأصيلُ فسيرا غلبَ الفرزدقُ في الهجاءِ جريرا.
(ملاحظة مني : عرادة هو صديق السوء)
ويأخذ عرادة الأبيات ويجري بها إلى الفرزدق، وانتشرت الأبيات مثل النار في الهشيم حتى وصلت إلى جرير.
عندما وصلت الأبيات إلى جرير غضب لأن المسألة لم تكن مجرد رأي نقدي. الراعي كان شاعرًا معروفًا وله مكانة بين قبائل مضر وقيس، فشهادته قد تُستعمل ضده في مجالس العرب. وكذلك رأى جرير أن الراعي لا علاقة له بينه وبين الفرزدق، كما أنه رأى أن الراعي أقرب له في النسب من الفرزدق، فكأن الراعي فضل خصمًا يهجو قومه على شاعر كان يدافع عنهم ويتقرب إليهم، ولهذا قرر جرير ألا يهجوه مباشرة قبل أن يمنحه فرصة للتراجع.
بحث جرير عن الراعي النميري حتى وجده بعد صلاة الجمعة، وقال له كلامًا فيما معناه: أنا والفرزدق ابنا عم نتسابّ صباح مساء، فلا يلحقك انتصار المنتصر ولا هزيمة المهزوم. إما أن تتركنا وشأننا، وإما أن تنصفني وألا تنحاز إلى الفرزدق.
(بالعامي قاله: أنا والفرزدق عيال عم، وأنت مو فايز إن فاز أحدنا ولا أنت خسران لو خسر أحدنا، يا أنك تبعد عنا أو أنك تنصفني).
ثم ذكّره بأنه أقرب إلى قيس، وأنه كان يدافع عنها ويمدحها، بينما الفرزدق يهجوها.
الراعي النميري بعد الكلام مع جرير يبدو وكأنه اقتنع بكلام جرير، فقال له بما معناه: صدقت، وحدد له موعدًا في سوق المربد في اليوم التالي، وكأنهما كانا سيتفاهمان أو يعلنان موقفًا جديدًا.
يعني بيحلّون الموضوع بدون مشاكل، والموضوع كان بينتهي بسلام.
وبينما كانوا يتكلمون، رأى ابن الراعي أباه يتكلم مع جرير، فركض وضرب وجه البغلة التي كان والده يركب عليها. (البغلة هي أنثى البغل، والبغل هو نتيجة تزاوج ذكر الحمار مع أنثى الحصان). بعض الروايات تقول إن البغلة كادت أن توقع جرير، ولكن المتفق عليه هو أن ابن الراعي النمير قال: "ما لك يراك الناس واقفًا على كلب من كليب؟" وأخذ والده والبغلة وذهب.
غضب جرير ليس فقط بسبب إهانة ابن الراعي، بل أيضًا لأن والده ظل صامتًا ولم يعتذر كما يجب. فقال جرير للراعي: "والله لتأتين بني نمير بأحمال ثقيلة من العار." (يعني أنت بهذه الكلمة لم تضر نفسك وأباك فقط، بل جلبت الهجاء على القبيلة كلها.)
عاد جرير وهو يغلي من الغضب. قال جرير لخادمه: "زد الزيت في المصباح" (دلالة على أنه لن ينام الليلة) وظل مستيقظًا طول الليل، وفي النهار نزلت على بني نمير الدامغة.
يقال إن اسمها الدامغة لأنها دمغت بني نمير وألصقت بهم عارًا شعريًا لم يستطيعوا التخلص منه.
يقول فيها:
أتاني عن عرادةَ قولُ سوءٍ
فلا وأبي عرادةَ ما أصابا
(بلغني كلام عرادة وحكمه، لكنه لم يصب ولم يصدق)
أتَلتمسُ السبابَ بنو نميرٍ
فقد وأبيهمُ لاقوا سِبابا
(أكانوا يبحثون عن الهجاء؟ لقد وجدوه الآن)
والبيت الذي دمر بني نمير:
فغُضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ
فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا
وهذا البيت لا يعني فقط: اخفض بصرك لأنك ضعيف، فكأنه يقول للراعي: لا تتطاول، فأنت من الفرع الأدنى منزلة؛ لم تبلغ منزلة بني كعب ولا منزلة بني كلاب، مع أنهم أقرباؤك في النسب.
الشيء الذي قد تجدونه غريبًا أن الدامغة عدد أبياتها 97 بيتًا، كان منها 11 بيتًا غزليًا، حيث إن جرير يفتتح القصيدة بـ:
أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابا
وَقولي إِن أَصَبتُ لَقَد أَصابا
أَجَدِّكَ ما تَذَكَّرُ أَهلَ نَجدٍ
وَحَيّاً طالَ ما اِنتَظَروا الإِيابا
يخاطب المرأة التي تلومه، فيقول: خففي عني اللوم والعتاب، وإن كنتُ أخطأتُ فاعترفي أنني أصبتُ أيضًا، ويقسم أو يستفهم للتأكيد، فيقول: أما زلتِ تتذكرين أهل نجد، والقبيلة التي طال انتظارها لعودة أحبتها؟
هذا الأسلوب يسمى المقدمة الغزلية. وجرير صحيح أن أغلب أبياته كانت هجاء، ولكن مقدماته كانت غزلية، فكان يفتتح قصائده بأبيات غزلية. وهذا ما ينقلنا لأحد أشهر أبيات جرير الشعرية التي يقول فيها:
يا أُمَّ عَمرٍو جَزاكِ اللَهُ مَغفِرَةً
رُدّي عَلَيَّ فُؤادي كَالَّذي كانا
أَلَستِ أَحسَنَ مَن يَمشي عَلى قَدَمٍ
يا أَملَحَ الناسِ كُلِّ الناسِ إِنسانا
جرير يخاطب زوجته أم عمرو بعد أن غضبت منه، فيبدأ بالدعاء لها بالمغفرة، ثم يتوسل إليها أن تعيد إليه راحة قلبه التي سلبها حبها. وبعد ذلك يمدحها ويبالغ في وصف جمالها، فيقول إنها أجمل وأملح امرأة بين جميع الناس.
وبعد هذه الأبيات الغزلية الجميلة قال للأخطل:
لَقى الأُخَيطِلُ بِالجَولانِ فاقِرَةً
مِثلَ اِجتِداعِ القَوافي وَبرَ هِزّانا
يا خُزرَ تَغلِبَ ماذا بالُ نِسوَتِكُم
لا يَستَفِقنَ إِلى الدَيرَينِ تَحنانا
فيما معناه يقول جرير إن الأخطل أصابته في الجولان مصيبة عظيمة، ويشبه شدة هذه المصيبة بقبح تشويه الشعر وإفساد قوافيه، وهو تشبيه يراد به المبالغة في الهجاء. ثم يوجه كلامه إلى قبيلة تغلب على سبيل السخرية، فيقول: ما شأن نسائكم؟ إنهن لا يزلن متعلقات بالديرين، يشتقن إليهما ولا ينسينهما. ويقصد بذلك تعييرهم بأصولهم النصرانية وارتباطهم بالأديرة، ليجعل ذلك موضع هجاء لهم.
طبعًا من ابيات هجاء الأخطل لجرير، قال :
قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبهم
قالوا لأمهم: بولي على النار
فتمسك البول بخلاً أن تجود به
وما تبول لهم إلا بمقدار
فيما معناه: إذا الكلب نبح وقال إن فيه ضيفًا قادمًا (زمان كانت الخيام يوضع عليها نار للضائع لكي يرى البيت ويأتي ويأخذ ماءً وأكلًا وهكذا)، فهو يقول: قومٌ إذا رأوا ضيفًا قادمًا يقولون لأمهم: بولي على النار، يعني لا يستخدمون الماء من شدة البخل، وما تبول إلا بمقدار، حتى إذا جاء الضيف الذي بعده تعيد نفس الحركة.
ولكي نغلق موضوع الأخطل، قال جرير:
"إنه والله ما يهجوني الأخطل وحده، وإنه ليهجوني معه خمسون شاعرًا كلهم غزير ليس بدون الأخطل، وذلك أنه إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتًا وهذا بيتًا حتى يتموا القصيدة وينتحلها الأخطل".
وجرير ما رحم الأخطل. وفي بعض الروايات أن الأخطل ندم وقال: "ما أدخلني بين فحلين من بني تميم!"
لنترك الآن الأخطل جانبًا. النزال الأبرز في العصر الأموي هو بين جرير والفرزدق. قصص جرير والفرزدق كثيرة ولا تنتهي، سأحاول ذكر أبرز مواقف حياتهما، وهما سبب اشتهار النقائض.
النقائض هي أن شاعرًا يقول أبياتًا شعرية فيرد عليه شاعر بنفس القافية الخاصة فيه، مثل:
إِنَّ الَّذي سَمَكَ السَماءَ بَنى لَنا
بَيتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطوَلُ
بَيتاً بَناهُ لَنا المَليكُ وَما بَنى
حَكَمُ السَماءُ فَإِنَّهُ لا يُنقَلُ
يقول: إن الله الذي رفع السماء وأحكم بناءها، هو الذي منحنا بيتًا (أي بيت الشرف والمجد والنسب)، وأركانه ثابتة وعزيزة، لا يدانيها بيت غيرها. هذا المجد والشرف بناه الله لنا، وما يبنيه الله لا يمكن لأحد أن يزيله أو يهدمه أو ينقله.
مِن عِزِّهِم جَحَرَت كُلَيبٌ بَيتَها
زَرباً كَأَنَّهُمُ لَدَيهِ القُمَّلُ
ضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِها
وَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ
يقول ساخرًا: إن قومنا من شدتهم وقوتهم أخافوا كليبًا، حتى صارت تختبئ داخل حظائرها وأماكنها الضيقة، كأنهم قمل يختبئون خوفًا. يزيد في السخرية، فيقول: لقد نسجت العنكبوت بيتها عليك، أي مكثت طويلًا حتى غطاك نسيجها، وكأنك مهمل أو ميت لا تتحرك.
فيرد جرير:
أَعدَدتُ لِلشُعَراءِ سُمّاً ناقِعاً
فَسَقَيتُ آخِرَهُم بِكَأسِ الأَوَّلِ
لقد هيأت للشعراء هجاءً شديدًا قاتلًا، كأنه سمٌّ فتاك، وكل شاعر يأتيني أسقيه من هذا السم نفسه، سواء كان أول من هجوت أو آخرهم.
لَمّا وَضَعتُ عَلى الفَرَزدَقِ مَيسَمي
وَضَغا البَعيثُ جَدَعتُ أَنفَ الأَخطَلِ
ميسمي: الميسم هو أداة الوسم، والوسم يكون علامة توضع على الإبل. والمقصود هنا: طبعت الفرزدق بعلامة الهزيمة والعار.
وضغا البعيث: أي صاح البعيث واعترض أو حاول أن ينافسني.
جدعت أنف الأخطل: أي أذللته وألحقته بالهزيمة. و"جدع الأنف" كناية عند العرب عن الإهانة والإذلال، وليس المقصود قطع الأنف حقيقة.
أَخزى الَّذي سَمَكَ السَماءَ مُجاشِعاً
وَبَنى بِناءَكَ في الحَضيضِ الأَسفَلِ
إن الله الذي رفع السماء لم يرفع شأن قبيلتك (مجاشع)، بل أذلها وأخزاها، وجعل مكانتك ومجدك في أسفل المراتب.
وامدح سراة بني فقيم إنهم
قتلوا أباك وثأره لم يقتل
اذهب وامدح أشراف بني فقيم؛ فهم الذين قتلوا أباك، ومع ذلك لم تستطع أن تأخذ بثأره أو تنتقم له.
وطبعًا، الفرزدق وجرير كان بينهما جدال دائم، وكانا يهجوان بعضهما. على سبيل المثال، توعد الفرزدق بقتل رجل اسمه مربع لأنه كان ينشد أشعار جرير أمامه ليغيظه. فرد جرير قائلًا:
زَعَمَ الفَرَزدَقُ أَن سَيَقتُلُ مُربَّعًا
أَبشِر بِطولِ سَلامَةٍ يا مُرَبَّعُ
وهناك قصة أخرى أن جرير كان يمشي في الشارع فرأته امرأة وقالت له: "يا لك من شاعر قبيح!" فرد جرير: "هذا وأنتِ لم تري الفرزدق."
وفي قصة مشهورة، سأل رجل جريرًا: "أأنت أشعر أم الفرزدق؟" فقال جرير للرجل: "تعال معي." فأخذه إلى بيته، وهناك رأى الرجل رجلًا يرضع من ضرع عنز، واللبن يسيل على لحيته.
سأل جرير: "أتعرف من هذا؟" فرد الرجل: "لا." قال جرير: "هذا أبي. وإنما يشرب من ضرع العنز لئلا تُحلب، فيسمع الجيران صوت الحلب فيطلبوا منه لبنًا، فيضطر إلى إعطائهم. أشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعرًا فغلبهم."
وفي قصة أن الفرزدق كان جالسًا يومًا مع أصحابه، وكان يتأمل بيتًا شعريًا نظمه يرى أنه ذروة الفخر ولا يمكن لأحد أن يتجاوزه أو يأتي بمثله. من شدة ثقته المفرطة، حلف بالطلاق الثلاث أن زوجته "النوار" طالق، وأن جريرًا عاجز تمامًا عن نقض هذا البيت أو الرد عليه بما يوازيه.
قالوا له: "وش البيت؟" قال:
"فإنّي أنا الموتُ الذي هو نازلٌ بنفسِكَ فانظر كيف أنت تحاوله"
(المعنى: أنا كالموت الذي لا مفر منه ولا سبيل لرده، فانظر كيف ستواجهني أو تخلص نفسك مني).
طبعًا وصل الخبر لجرير، وجرير تحمس وقال: "أنا أبو حُزرة، طَلُقَت امرأة الفاسق!" (يعني أن الطلاق قد وقع على زوجة الفرزدق لا محالة) وكان رده على أبيات الفرزدق:
"أنا الدهرُ يفني الموتَ والدهرُ خالدٌ فجئني بمثل الدهر شيئًا يطاوله"
(يقول جرير للفرزدق: أنت تفتخر بأنك "الموت"، لكنني "الدهر" (الزمن) الذي يميت الموت نفسه ويبقى خالدًا).
وطبعًا طلق الفرزدق زوجته وندم لاحقا .
ولكن علاقة جرير والفرزدق لم تكن عداء، ولم يكونا يكرهان بعضهما. تقول بعض المصادر إنهما كانا يذهبان إلى السوق معًا على حمار واحد ليهجوا بعضهما. وهناك موقف يثبت عدم كره جرير للفرزدق.
قرر والي العراق، خالد بن عبد الله القسري، أن يحفر قناة مائية، وسمى المشروع "النهر المبارك". بلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون درهم، فارتفعت الضرائب. لم يعجب هذا الأمر الفرزدق، فقام بهجاء الوالي، الذي أمر بسجن الفرزدق. يقال إن جرير ذهب للوالي ليشفع للفرزدق. قال جرير: "أن يرى الأمير أن يهبه لي". رد الوالي: "أتشفع له يا جرير؟" رد جرير: "إن ذلك أذل له (يعني سيخرج من الحبس بفضلي أنا، أكسر عينه ويخرج بسببي)". ثم قال: "أَتَبْسُطُ يَدَكَ عَلَى بَابِ مُضَرَ وَحَاضِرِهَا وَتَتْرُكُ الفَرَزْدَقَ فِي الأَغْلَالِ يُنْتَهَكُ؟" رد الوالي: "أوَما يسرك أن أخزاه الله؟" (يعني ألا تسعد بأنه مهان الآن؟) رد جرير رد صديق حقيقي: "ما أريد أن يخزيه الله إلا على يدي" (يعني لا أرضى أن يخطئ عليه أحد غيري). ضحك الوالي من رد جرير وأفرج عن الفرزدق.
يروى أن بشر بن مروان (وفي روايات أخرى نُسبت إلى سليمان بن عبد الملك) جمع جريرًا والفرزدق وقال لهما:
لقد كبرتما، وقربت آجالكما، فلو اصطلحتما، وليهب كل واحد منكما لصاحبه ما مضى.
(بصيغة أسهل: لقد كبرتما واقترب أجلكما، فلماذا لا تتصالحان وينسى كل واحد منكما ما مضى؟)
رد جرير:
أصلح الله الأمير، إنه يظلمني ويتعدى عليّ.
(أصلح الله الأمير، إن الفرزدق يظلمني ويعتدي عليّ، ولذلك لا أستطيع أن أتصالح معه.)
ثم قال الفرزدق:
أصلح الله الأمير، إني وجدت آبائي يظلمون آباءه، فسلكت طريقهم في ظلمه.
فلما سمع بشر ذلك قال:
عليكما لعنة الله، لا تصطلحان والله أبدًا.
وقد عاش الفرزدق عمرًا طويلًا حتى قارب المئة سنة. وفي أواخر حياته أصيب بمرض شديد، وقيل إنه الدُّبَيْلة (خراج أو ورم في الجوف). ولما اشتد مرضه نُقل إلى البصرة، واستُدعي له طبيب ليعالجه.
رأى الطبيب أن يُكوى، وأن يُسقى النفط الأبيض، وكانوا يرونه دواءً في ذلك الزمن. فلما رأى الفرزدق النفط قال ساخرًا:
"أتعجلون لي طعام أهل النار في الدنيا؟"
توفي الفرزدق سنة 110هـ تقريبًا، وقد جاوز التسعين وقارب المئة، ودُفن في البصرة في مقابر بني تميم.
بعد هجاء عظيم دام أربعين سنة، زار جرير قبر الفرزدق وهو موقن في قرارة نفسه أن غريمه الشعري وعضيده قد رحل عن هذه الدنيا، وأنشد يقول:
لَعَمري لَقَد أَشجى تَميماً وَهَدَّها
عَلى نَكَباتِ الدَهرِ مَوتُ الفَرَزدَقِ
(أقسم بحياتي، لقد أحزن موت الفرزدق قبيلة تميم وأضعفها، فوق ما أصابها من مصائب الزمان.)
عَشِيَّةَ راحوا لِلفِراقِ بِنَعشِهِ
إِلى جَدَثٍ في هُوَّةِ الأَرضِ مُعمَقِ
(في مساء اليوم الذي حملوا فيه جنازة الفرزدق ليدفنوه، ساروا بنعشه إلى قبر عميق في باطن الأرض، حيث فارقهم إلى الأبد.)
لَقَد غادَروا في اللَحدِ مَن كانَ يَنتَمي
إلى كل نجم في السماء محلقِ
(لقد غادروا في اللحد من كان يعلو قدره ويبلغ منزلة رفيعة كأنه يداني النجوم في السماء.)
ثوى حامل الأثقال عن كل مغرمِ
ودامغ شيطان الغشوم السملقِ
(لقد دُفن الرجل الذي كان يتحمل ديون الناس وأعباءهم، والذي كان يقهر الظالم المتكبر ويذله.)
عماد تميم كلها ولسانها
وناطقها البذاخ في كل منطقِ
(كان الفرزدق عماد قبيلة تميم وسندها، ولسانها الذي يفخر بها ويدافع عنها، وكان بليغًا فصيحًا في كل كلام يقوله.)
إلى آخر القصيدة، وفي أبيات أخرى يقول:
مات الفرزدق بعدما جدّعته
ليت الفرزدق كان عاش قليلًا
(هنا أنت لا تعرف هل تريد الفرزدق يعيش أطول لتهجوه أكثر أو لتصادقه)
عندما مات الفرزدق سألوا جريرًا: أتبكي على موت الفرزدق؟ رد جرير:
"أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده... وقلما مات ضد أو صديق إلا تبعه صاحبه"
(بصيغة أبسط: والله إني أعلم أنني لن أعيش طويلًا بعد موت الفرزدق، فمن النادر أن يموت رجلان لازما بعضهما، سواء كانا صديقين أو عدوين، إلا ويلحق أحدهما الآخر بعد مدة قصيرة.)
ليموت جرير بعد الفرزدق بأربعين يومًا ويودع هذه الدنيا كما ودعها صديقه الفرزدق.


