سيداتي وسادتي، نحن الآن في منتصف حفلة موسيقية غريبة تجمع بين الموت والبخيل. يمكننا أن نتخيل تلك الألحان المخيفة التي يعزفها الموت، بينما يجلس البخيل محاطًا بثروته غير مدرك أن لحظاته الأخيرة قد حانت. كل ذلك يحدث في لوحة "الموت والبخيل" للفنان الفلمنكي فرانس فرانكن الثاني، التي رسمها في أوائل القرن السابع عشر.
عند مرورك باللوحة للمرة الأولى، ستلاحظ رجلًا ثريًا يمسك نظارته، تحيط به الثروة من كل جانب، بينما يقف أمامه هيكل عظمي يعزف على آلة الكمان. لكن الغرابة لا تقتصر على المشهد نفسه، فقد اكتشف مؤرخون وباحثون أن الفنان فرانس فرانكن الثاني رسم ما لا يقل عن تسع نسخ تحمل التكوين والعنوان ذاتهما، مع اختلافات طفيفة بين كل نسخة وأخرى. فما الذي جعل هذا المشهد يستحق أن يعود إليه الفنان مرة بعد مرة؟ وهل تخفي اللوحة رموزًا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى؟
تحليل الشخصيات:
البخيل :
نلاحظ رؤية البخيل وفي يده اليمنى نظارته المصنوعة من الذهب، كما لفتت انتباهي قلادته الذهبية الموجودة على رقبته. الأوراق الموجودة على الطاولة تخبرنا شيئًا وكأنه كان منذ لحظات يراجع ثروته. عينا البخيل تخبرنا عن الرعب الموجود داخله. يده اليسرى تشير إلى قدمه وكأنه يقول للموت: "أرجوك أمهلني بعض الوقت حتى تُشفى قدمي، فأنا لا أستطيع الرقص بقدم مكسورة."
الموت :
نجد الموت واقفًا، ويميل بجسمه نحو البخيل ، وكأنه يقترب منه، بينما البخيل يبعد جسده عنه وكأنه يحاول الهرب من الموت، ولكن قدمه المكسورة تشبه أصفاد القدم هنا، فهو غير قادر على الابتعاد أكثر عن الموت.
لو أمعنا النظر الآن في البخيل والموت، نستطيع توقع الحوار الذي دار بينهما، وكأنما الموت قال: "هيا ارقص معي الرقصة الأخيرة"، ليرد عليه البخيل: "أرجوك، إن قدمي مكسورة، لا أستطيع رقص الرقصة الأخيرة".
الموت في الخلفية :
انظروا معي إلى الهيكل العظمي الموجود في الخلف، إنه واقف باستقامة على عكس الهيكل العظمي الأول، وقفته تخبرنا أنه أهدأ شخص في هذا المشهد كله، حتى إن هيئته توحي بأنه يستمع إلى ما سيقوله الرجل الذي أمامه.
الرجل الواقف امام الموت :
نرى الرجل يرجع بجسده إلى الخلف مثلما يرجع البخيل بجسده إلى الخلف، في إشارة إلى نفوره من الموت، لكنه على عكس البخيل لم يبدأ بالترجي. يده اليمنى ممدودة إلى الأمام، ولا يحدق في وجه الموت، وكأن حركته تقول: "أرجوك أيها الموت لدي عرض جيد لك".
على ما يبدو أن فرانس فرانكن الثاني حاول إيصال رسالة بسيطة: يمكنك الترجي أو المفاوضة، ولكن عند قدوم الموت لن يرحل إلا وأنت معه.
تحليل عناصر اللوحة :
الوسادة والساعة الرملية:
نجد البخيل يضع رجله المكسورة على وسادة فاخرة، بينما يضع الموت قدمه الهزيلة على ساعة رملية، لكن انظروا الساعة خالية من الرمال. قد يكون الفنان أراد إيصال فكرة أن وقت الرجل قد انتهى بالكامل، ولكن ليس هذا هو الشيء الملفت للانتباه في اللوحة.
الحقيبة والموت:
كما لفت انتباهي تشابه لون حقيبة الموت مع ملابس البخيل. ومن وجهة نظري، ربما أراد الفنان الإيحاء بأن البخيل، قبل أن يبدأ بالترجي، حاول أولًا مفاوضة الموت، فقدم له حقيبته بما فيها من أموال، إلا أن الموت لم يبالِ بالثروة، بل بدا وكأنه سعيد لأنه انتزع من البخيل آخر محاولاته للنجاة.
القماشة الخضراء :
ترمز القماشة الخضراء إلى الثراء ، لأن القماش الأخضر الفاخر كان يُستخدم لتغطية طاولات الأغنياء، وخاصة عند عد الأموال. وهذا ما يدل على مكانة البخيل، وأيضًا يرمز الأخضر إلى النمو والازدهار، ولكن هنا تقع المفارقة في اللوحة ، فبجانب طاولة النقود الخضراء يقف الموت وكأنه يعلن عن أنه سيأخذ البخيل ويترك ثروته وراءه.
النافذة :
كما لفت انتباهي أن النافذة تشبه قضبان السجن، وقد يمنح ذلك المشهد إحساسًا بأن البخيل أصبح محاصرًا، فلا سبيل للهرب من مصيره.
تحليل الملابس :
في لوحة "الموت والبخيل" يمكننا رؤية تناقض واضح في الملابس بين الشخصيات.
ملابس البخيل :
يرتدي البخيل قبعة حمراء زاهية، وهذه القبعة ترمز إلى الثراء والمكانة الاجتماعية؛ لأنه في ذلك الوقت كانت الأصباغ الحمراء غالية الثمن في أوروبا. وهناك احتمال آخر وهو أنها دلالة على شغف البخيل الشديد بالمال، كما أنه يرتدي أقمشة ثقيلة مطرزة لتعزيز فكرة ثرائه، وأبرز ما في ملابسه هنا هو رداؤه الأرجواني. هذه العناصر لا تعزز فكرة ثراء البخيل فقط، بل تعزز أنه يريد إظهار ثرائه للآخرين، وهذا الشيء يمكن إثباته لمجرد النظر إلى نظارته الذهبية.
ملابس الموت :
على نقيض البخيل، يقف الموت بقماشة بيضاء فقط تشبه قماشة الكفن، وهذا ما يخلق تناقضًا بين الاثنين، فبينما يرتدي الغني أغلى ما يملك، يأتي الموت بملابس متواضعة ليسلب من البخيل كل ما يملك.
الرسالة :
أراد الفنان فرانس فرانكن الثاني تذكير الإنسان، وخصوصًا الناس الذين غيرتهم الأموال والسلطة، بأن الموت عندما يأتي لا يفرق بين غني وفقير.
من وجهة نظري أظن أن لوحة "الموت والبخيل" لوحة مخيفة بعض الشيء، عندما أراها لا أشعر بالراحة وكأن الرسالة التي تحاول إيصالها خلف الشخصيات الموجودة فيها أنه عند قدوم الموت لا مهرب للإنسان منه.




















هذا الحساب افظل اكتشاف حرفيا
الطريقة بتحليل الرسمة لفتتني هل استطيع نشرها؟