تستطيع الشعور ببرودة الطقس بمجرد مشاهدة هذه اللوحة. نشهد في هذه اللوحة صمتًا أشد إزعاجًا من أي أصوات، لدرجة أنك تكاد تسمع وقع الثلج قبل أن تسمع تصادم السيوف. كل هذه الأحداث تحدث في لوحة "المبارزة بعد الحفلة التنكرية" للفنان الفرنسي جان ليون جيروم، والتي رسمها في سنة 1857.
شاهدوا وتمعنوا في هذه اللوحة. نحن الآن أمام اللحظات الأخيرة لأحد المبارزين ، بقعة دم صغيرة تلطخ ملابسه البيضاء، وأصدقاؤه يحيطون به، يحاول كل واحد منهم التعامل مع المأساة بطريقته، بينما يغادر المبارز الآخر المكان بهدوء، وكأن كل شيء قد انتهى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي أوصلنا إلى هذه اللحظة؟
تحليل الشخصيات :
النبيل الفرنسي :
إنه هادئ، على الرغم من أن صديقه يحتضر أمامه ، هادئ لدرجة تثير الريبة. ينظر مباشرةً إلى جرح صديقه ويركز عليه، لكنه رغم رؤيته لمعاناته لا يُظهر ذعرًا أو اضطرابًا، وكأن ما حدث لم يكن مفاجئًا بالنسبة إليه. كما نرى قدمه اليسرى ممتدة إلى الأمام، وقد جعل منها سندًا يحمل عليه جزءًا من وزن صديقه.
بيرو :
نستطيع أن نشعر بثقل جسد البيرو لمجرد نظرنا إليه. ألقِ نظرة على وجهه، إنه هادئ لا يكافح رغم أن الأحداث تدور حوله، إلا أنه لا يقاوم الموت. يبدو كشخص استسلم له، جسده ثقيل جدًا، هو لا يملك القدرة ليرفع جسده بنفسه، ولذلك ترى النبيل الفرنسي يجعل جسده متكئًا على قدمه. ولكن رغم ذلك، لا نزال نرى أن جسده بدأ بالسقوط. يده اليمنى ظلت ممسكة بالسيف وكأنه لم يستوعب بعد أن الأمر قد انتهى، وعلى الكفة الأخرى، إذا أمعنا النظر في يده اليسرى، سنجدها شبه مقبوضة. حركة يديه ووجهه ترينا تناقضًا واضحًا، فملامح وجهه وجسده يدلان على الاستسلام، لكن يديه تبدوان وكأنهما لم تدركا بعد أن الأمر قد انتهى.
دوق البندقية :
كما كان النبيل الفرنسي، يبدو صاحب زي دوق البندقية هادئًا أيضًا. إذا أمعنا النظر في ملامح وجهه، سنجد أنه مركز على جرح البيرو، ويبدو وكأنه يتفحصه. أغلب الظن أنه يحاول تقدير خطورة الإصابة واحتمالية نجاة البيرو.
دومينو :
في البداية، الدومينو هو زي كان متعارفًا عليه في الحفلات التنكرية، خصوصًا بين الطبقات الميسورة، ويتكون عادةً من عباءة فضفاضة مع قناع يساعد مرتديه على إخفاء هويته أثناء الحفلة. ونرى هنا أن الدومينو أكثر شخصيات اللوحة تعبيرًا عن الصدمة ، فقد وضع يديه على رأسه، وهي إيماءة توحي بالذهول واليأس أمام ما يراه.
كما نلاحظ في النسخة الأصلية من اللوحة أن عينيه مفتوحتان، على عكس النسخة اللاحقة. في الأصل نراه مثبتًا نظره على بيرو بدرجة كبيرة، وكأنه ينتظر منه أي استجابة، وكأن هناك فكرة واحدة تجول في داخل رأسه: "أرجوك، افتح عينيك، أعطنا أي علامة على أنك ما زلت حيًا."
هارليكوين:
يده اليمنى تسحب صاحب زي الهندي الأحمر، وكأنه يطلب منه الرحيل. ونرى معطفه معلقًا على جانبه الأيسر، وكأن الأمر بالنسبة إليه قد انتهى الآن ، لا يوجد احتفال، ولا توجد سعادة. جسده يتقدم جسد الهندي الأحمر، بينما عيناه لا تزالان تنظران إلى ذلك الجسد الباهت الهزيل خلفه. يبدو أنه لا يريد البقاء في مكان كهذا بعد الآن.
الهندي الأحمر:
الفائز في المبارزة. بالنظر إلى يده اليمنى، يبدو وكأنه كان متعجلًا في الرحيل لدرجة أنه لم يملك الوقت حتى لارتداء معطفه. وهو الشخصية الوحيدة التي لا نستطيع رؤية وجهها ، لا نرى سوى مؤخرة رأسه، ومع ذلك نلاحظ أن رأسه مائل قليلًا إلى الجانب. أغلب الظن أنه أراد أن يلقي نظرة أخيرة على ما حدث لبيرو، لكنه لم يستطع أن يواجه بصورة مباشرة جسد الرجل الذي أصابه.
تحليل الملابس:
في لوحة "المبارزة بعد الحفلة التنكرية" شد انتباهي شيء قد لا تلاحظه عند رؤية اللوحة للمرة الأولى وهو التباين بين الأزياء التنكرية فيها، بحيث إن أزياء الشخصيات التنكرية مقسومة إلى ثلاثة أقسام، اثنان منهما واضحان.
أصحاب أزياء السلطة والمكانة :
صاحب زي دوق غيز ( النبيل الفرنسي ) :
نرى زي النبيل الفرنسي والذي يطغى فيه اللون الأسود، قد يرمز اللون الأسود في زيه إلى الموت وكأنما الفنان أراد إيصال رسالة لنا "أن البيرو الآن يتملكه الموت".
دوق البندقية:
أما في الكفة الأخرى، نرى زي دوق البندقية يطغى فيه اللون الأحمر الذي يرمز أحيانًا للحيوية، ولكن هنا غالبًا يرمز للدم، كما نرى الأكمام الذهبية وطرفه ذو اللون الأخضر في الأسفل. كل هذه الألوان تعزز الإحساس بالمكانة والثراء التي يمثلها هذا الزي .
أصحاب الأزياء المسرحية :
البيرو :
زيه الناصع البياض يجعل بقعة دمه صارخة، كما أن اللون الأبيض بصفة عامة يرمز للنقاء. والأهم أن اختيار بيرو نفسه يتناسب بصورة مخيفة مع المشهد؛ فبيرو معروف تاريخيًا بصورة المهرج الحزين والحالم، وهنا تحولت تلك الكآبة المسرحية إلى مأساة حقيقية .
هارليكوين :
أما فيما يخص مهرج الهارليكوين، فمعروف بأنه مهرج مرح ومكار ومشاغب، ولكننا نجد صاحب هذا الزي لا يتصرف مثل الهارليكوين، بل نراه عكس ذلك تمامًا، وهذا ما يخلق تناقضًا واضحًا بينه وبين البيرو الذي يتماشى مع زيه. كما نستطيع رؤية أنه غطى نصف زيه بالمعطف، وكأنه بدأ تدريجيًا بالتخلي عن دور المهرج الذي هو متنكر فيه.
اصحاب الازياء الاخرى :
دومينو:
نرى الدومينو نزع قناعه ورماه في الخلف، ربما أراد الفنان بهذه الحركة أن يخبرنا "لا فائدة للأقنعة والتنكر عند حدوث الموت".
الهندي الأحمر:
ملابسه تندمج مع الطبيعة في اللوحة، لا تصرخ كملابس دوق البندقية، وليست باهتة مثل ملابس النبيل الفرنسي، كما أنها لا تحمل دلالة واضحة مثل البيرو والهارليكوين.
المفارقة أن الجميع خرجوا من الحفلة وهم ما يزالون يرتدون شخصياتهم، لكن الموت بدأ ينتزع هذه الشخصيات منهم واحدة تلو الأخرى: قناع الدومينو أصبح ملقى على الأرض، ومعطف هارليكوين بدأ يخفي زيه، والمنتصر يحمل معطفه مستعدًا للرحيل، وكأن الحفلة انتهت بالنسبة إليهم جميعًا. أما بيرو، فبقي وحده عالقًا داخل شخصيته حتى النهاية ، المهرج الحزين أصبح بالفعل أكثر شخصيات المشهد مأساوية.
تحليل عناصر اللوحة :
الخلفية:
الفضل الأكبر في خلق الأجواء المتوترة يعود إلى الخلفية ، الثلج المتساقط والسماء الباهتة يجعلان المكان باردًا وكئيبًا، أما الفراغ الكبير في منتصف اللوحة فيفصل المنتصر عن بيرو ورفاقه، وكأن المبارزة لم تفصل بين جسدين فقط، بل قسمت المشهد إلى طرف يرحل وطرف بقي مع نتائج ما حدث.
السيف والريش:
نرى ريشًا يعود إلى صاحب الزي الهندي الأحمر، إلى جانب السيف الملقى على الأرض. انتهت المبارزة، لكن أدواتها وبقايا الأزياء ما زالت في مكانها، وكأن جيروم يقول لنا: "انتهت الحفلة، وانتهت المبارزة، ولم يتبقَّ في المكان سوى الدماء وبقايا الأزياء التنكرية".
بعد التدقيق في تفاصيل لوحة " المبارزة بعد الحفلة التنكرية " ، أظن أن جان ليون جيروم بذل جهدًا كبيرًا في تفاصيلها، محاولًا أن يوصل لنا ما يحدث خلف الحدث، لا الحدث بعينه. فالمبارزة انتهت، لكن قصتها الحقيقية بدأت بعد سقوط السيوف.

























أبدعت أبدعت ، شي مفصل ودقيق ،ممكن تسوي عن لوحة " ومتى كانت ٱخر مرة رأيت فيها والدك " للفنان ويليام فريدرك جيمس ؟
تذكرت مسرحية هاملت + شغلك تحفة استمر